حكاية الأيام (58)
بقلم: وجدي نيازالدين أكبر
الأيام التي نعيشها الآن مفعمة بأحدث التقنيات عالية الجودة التي تخدم البشرية جمعاء؛ فمنها خدمات الإنترنت والفضائيات والسيارات الحديثة المكيّفة، تدفئةً وتبريدًا، التي تقلّنا من زاخو إلى الفاو في غضون يوم واحد، دون أن نشعر بعناء السفر، فضلًا عن الفنادق السياحية المتيسرة في مختلف محافظات العراق والمجهزة بكل وسائل الراحة، بحيث تجعل المسافر لا يكاد يشعر بالغربة.
كل هذه النعم تستحق منا الثناء والشكر لله، وتجعلنا نتذكر الأيام العصيبة التي عاشها أجدادنا قبل قرن من الزمن، إذ كانوا يتنقلون بين المدن والدول بالقوافل، أو ما يسمى بالتركمانية «كاروان».
وكانت كل قافلة تضم مجموعة من الأشخاص مع دوابهم من الخيول والبغال والحمير. وهنا أود أن أقف هنيهة لأوضح بعض أسماء حيوانات الركوب، ذكورا وإناثا: الحصان ذكر، والفرس أنثى، والحمار ذكر وأنثاه أتان، أما البغل فأبوه حمار وأمه فرس، وأنثى البغل تدعى بغلة أو «ماچة»، وهي لا تلد، أي تكون عقيمة. والحصان الذي يجر العربة يسمى «كديش».
وغالبًا ما كان الحصان يُستخدم لجر عربة نقل الأشخاص التي تسمى بالتركمانية «آتلي عربة»، وكانت تعمل كسيارة أجرة في بغداد وبقية المحافظات حتى عقود متأخرة من القرن الماضي.
الكروانجية… رحلة تمتد أسابيع
كان الكروانجية، أي الرحالة، دائبين في مسيرهم ليلًا ونهارًا؛ فمنهم من يركب دابته ومنهم من يسير على قدميه، وكانت رحلتهم قد تستغرق ما لا يقل عن 45 يومًا.
وخلال كل تلك المدة، لم يكونوا يدرون ماذا يجري لأهلهم، أو ما يطرأ على بيوتهم ومدنهم من أحداث وتغييرات. وكانوا يستقون أخبارهم من القوافل التي تأتي بعدهم.
وخير دليل على ذلك مطلع الأغنية التركمانية:
«يولجي يولجي بير خبر گورمه دي ياريم»
وكلمة «يولجي» تعني قاصد الطريق أو المسافر، أما كلمة «يار» فتعني الحبيب أو الأحباب. وفي الأغنية يسأل الكروانجي زميله القادم في الطريق عن أخبار أهله وأحبابه.
وكانت أماكن استراحة الكروانجية هي الخانات المنتشرة على الطرق، وفي كل خان كان يوجد كشك لبيع الطعام للنازلين فيه.
ومن الآثار الباقية المرتبطة بالخانات: خورما خاني في كركوك، وخان بني سعد في بعقوبة، وخان الربع وخان النصف على طريق النجف–كربلاء.
وترتبط في الذاكرة الشعبية والتاريخية طرق القوافل والخانات كذلك باسم السيدة زبيدة، زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد، وما عُرف من منشآت أقيمت لخدمة المسافرين والحجاج على الطرق.
وكانت رحلات الكروانجية لا تقتصر على مدن العراق، بل تمتد أحيانًا إلى الدول الإقليمية، ومنها تركيا وإيران وسوريا والسعودية، لأغراض التجارة وزيارة الأماكن المقدسة والمعالم الأثرية، أو لمراجعة الأطباء.
مأساة كروانجي على الطريق
ومن مآسي الكروانجية التي تناقلتها ألسنة كبار أدباء التركمان حكاية كروانجي اصطحب في إحدى رحلاته عياله وزوجته.
وخلال مسيرتهم، أقبل الليل وبدأت زوجته تتوعك، وأخذ المرض يسري في جسدها حتى أقعدها عن مواصلة المسير.
حينئذ صُدم الكروانجي بما حدث، وبقي مغلوبًا على أمره، محتارًا بين أن يسير مع رفاقه في القافلة، لأن سيره منفردًا قد يجعله لقمة سائغة للذئاب وقطاع الطرق، وبين أن يبقى مع زوجته العليلة ويسير معها ببطء حتى يوصلها إلى بر الأمان.
وعندئذ نظم هذه الخوريات قائلًا:
يارا يري
سيزيلدار يارا يري
كاروان باش آلدي گيدتي
يالواررام يارا يري
نه سننه ن ده رت توكه ندي
نه مننه ن يارا يري
مؤداها:
أوجعني أثر الجرح،
وأذهلني مرض الحبيبة،
سارت القافلة ولم أجد عونًا
يعالج علتها،
أو يلقي بلسمًا على لوعتي.
قرباني عللو… من أوائل كروانجية طوزخورماتو
يُروى أن من أوائل الكروانجية في طوزخورماتو قرباني عللو، وكان صاحب خان كبير يحمل اسمه عند رأس زقاق ملا جمال، وموقعه اليوم محلات من أملاك شكور بك، رحمه الله.
وكان قرباني عللو أبًا لستة أبناء؛ خمسة ذكور هم: زين العابدين، سليمان، غني جاووش، حسين، وكاظم، وبنت واحدة هي أسماء التي تزوجها رضا بك من أهالي قرية إمام زين العابدين.
وكان رضا بك يوزباشي، أي برتبة نقيب في الجيش العثماني.
ومن أبناء العائلة زين العابدين، وهو والد عبدالقادر من سكنة بغداد، الذي كان مولعًا بتدريب الشرطة عندما كان مسؤولًا في نادي الشرطة خلال الثمانينيات وحتى نهاية التسعينيات من القرن الماضي.
أما زين العابدين وسليمان، فقد اغتالتهما مجموعة من اللصوص داخل إيران في إحدى رحلاتهما، واستولت على أموالهما ومواشيهما.
أما غني جاووش فهو جد لكل من الحاج أحمد محمد علي، الذي كان وكيل جامع الرسول الأعظم في سبعينيات القرن الماضي، والأستاذ نقي محمد علي.
وكان حسين من سكنة الحلة، وهو أب لبنت واحدة فقط.
أما كاظم فكان أبًا لثلاثة أولاد هم: موسى، علي، وجعفر.
الغلاء الكبير وأيام الجوع
استشهد موسى في الحرب العالمية الأولى عام 1914م، وتوفي والده كاظم عام 1918م، تاركًا ولديه يتيمين: علي كزنة وكان في السابعة عشرة من عمره، وجعفر كزنة وكان في الثانية عشرة ولم يبلغ الحلم بعد.
وتزامنت تلك السنوات مع ما عرفه الناس باسم «بويوك بهاليغ»، أي الغلاء الكبير، الذي ضرب حياة الناس في أواخر سنوات الحرب العالمية الأولى.
ومع حلول عام 1918 بدأت السماء تمطر بفضل الله، واخضرت البراري والجبال، وأخذ الناس يقتاتون البنجر والكمأ والفطر والكعوب وما شابه ذلك، من دون خبز، ليدرؤوا عن أنفسهم الجوع المميت.
ومن الذين مارسوا مهنة الكروانجية في طوزخورماتو كذلك:
أسمه محمد، أسمه نقي، أسمه علي، إسماعيل أربعة قروش، نزاو جعفر، خورشيد جاوش، قنبر قولاغسيز، حميد جوجه، وقولسوز حسن.
انتظار القافلة
كان الذين يوصون الكروانجية بإحضار حاجة لهم ينتظرون ساعة وصولهم إلى ديارهم باشتياق وفارغ الصبر، وغالبًا ما كان الكروانجي يصل ليلًا.
وفي ذلك الزمن لم تكن وسائل الإنارة متوافرة كما هي اليوم، فكان الناس يستخدمون «الچراغ» للإنارة، ويشعلونه بالقداحة التي تسمى بالتركمانية «جاخماغ».
وعلى ذلك تقول الأغنية التركمانية:
چاخماغي چاخ چراغي ياندورماميشام
ياريمچين بابوج آلديم تكين يولدا صالميشام
مؤداها:
هاتِ قداحة فاشعلي لي السراج،
اقتنيت زوجًا من الخف لعزيزتي،
وأظن أنني فقدت فردة منه في الطريق.
عندما أصبحت الأرواح أغلى من التجارة
لكل مهنة قصتها، وما ألذ قصة الكروانجية التي يرويها الأخ أنور كزنة.
يروي أنه في زمن دخول القوات البريطانية إلى بغداد، كان والده كزنة جعفر وعمه كزنة علي موجودين في بغداد بغية تجارة الأقمشة، وكان أهل بغداد يعيشون حالة من الهلع والخوف من الاحتلال.
وحينها قال لهما تاجر يهودي:
خذوا بضاعتي واحفظوها عندكم أمانة، وحينما تصفو الأيام ويتحسن الوضع ردوها إليّ، وإذا لم تتمكنوا من إرجاعها فأنا أبرئ ذمتكم منها.
وفي الوقت نفسه، كانت هناك عوائل من أصول طوزخورماتية تسكن بغداد، وأرادت العودة إلى مسقط رأسها في طوزخورماتو، ولم تكن لديها وسيلة توصلها.
عندئذ تعاهد علي كزنة وابن عمته زين العابدين على إيصالهم، ولم يغرهما الطمع، بل رأيا أن نقل الأرواح البريئة إلى مأمنها أولى من التجارة والمال.
ووفيا بعهدهما، وأوصلا أبناء مدينتهما إلى طوزخورماتو سالمين.
ذاكرة أنور كزنة
كل هذه المعلومات دونتها عن الأخ أنور كزنة جعفر، من مواليد عام 1945م، وهو ملمّ بتاريخ مدينة طوزخورماتو وآثارها وحياتها الاجتماعية والثقافية، وبما تناقلته عائلته من أحداث تمتد إلى أكثر من مئة عام.
أسأل الله أن يبارك فيه ويسدد خطاه.
ومع ظهور سيارات النقل من لوريات وباصات في النصف الأول من القرن العشرين، أخذ زمن القوافل يتراجع، حتى انتهت مهنة الكروانجية بصورتها القديمة تقريبًا.
وعزف جعفر كزنة عن مهنة الكروانجية، وعمل في تجارة الحنطة والشعير والأغنام والصوف.
وفضلًا عن ذلك، كان يجيد السباحة، فأنقذ الكثير من الغرق، وظل في عافيته حتى وافاه الأجل عام 1993م عن عمر تجاوز التسعين عامًا، رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته.
قافلة تمضي… وأخرى تأتي
وأخيرًا أختم مقالتي بشعر «كاروان» للشاعر التركي قومري:
أي بير دل گوز آچ أويان عمري گچيب جوان هاني
بيل باغلاما بوجهانه وفائي جهان هاني
هر قرنده دولار بوشالير كاروان گيچه ر
سرايه گله ن كاروان كاروان هاني
مؤداه:
ألا تفتح قلبك ونظرك وتستفيق من غفوتك؟
فقد مضى عمرك، ولن يعود شبابك أبدًا.
لا تثق بهذه الدنيا الدنية،
فأين تجد الدنيا الوفية؟
في كل قرن تمتلئ الدنيا ثم تفرغ بقافلة من البشر،
فاسأل: أي قافلة تحل علينا اليوم، وأين نجدها في الآفاق؟
هذا، ولكم مني أطيب التحيات.
وجدي نيازالدين أكبر

0 تعليقات