ديار الهرمزي
ليست اللغة مجرد وسيلة يتحدث بها الإنسان، بل هي أحيانًا أثرٌ يمشي على قدمين..
تحمل في داخلها ما لا تحفظه الحجارة، وتبقي من الماضي ما عجزت الممالك عن إبقائه.
قد تسقط المدن، وتتبدل الأعلام، وتختفي أسماء الشعوب، لكن كلمة صغيرة قد تنجو من كل ذلك، وتواصل رحلتها من فم إلى فم، ومن جيل إلى جيل، حتى تصل إلينا ونحن لا نعرف من أي طريق جاءت.
ومن هنا تبدأ الحكاية التي تستحق أن تُروى بهدوء..
📌 ما سر التشابهات بين بعض المفردات السومرية وبعض المفردات التركية والتركمانية؟
📌 ليس السؤال.. هل كان السومريون أتراكًا؟
فهذا ليس ما تثبته هذه المقارنات، وليس هذا هو السؤال العلمي الصحيح أصلًا.
📌 السؤال الأعمق هو.. هل يمكن أن تكون بعض الكلمات المتشابهة بين السومرية واللغات التركية آثارًا لاتصالات قديمة، أو طبقات لغوية أقدم، أو انتقالًا عبر لغات وسيطة؟
والفرق بين السؤالين كبير.. لأن الأول يبحث عن هوية قومية حديثة في عالم عمره خمسة آلاف عام، أما الثاني فيبحث عن حركة الإنسان والكلمة عبر الزمن.
السومرية، بحسب التصنيف الأكاديمي السائد، لغة منقطعة الصلة المعروفة..
أي إن علماء السومريات لم يستطيعوا حتى الآن إثبات عائلة لغوية تنتمي إليها بصورة مقنعة. ويؤكد مشروع النصوص السومرية في جامعة أكسفورد أن السومرية لغة معزولة، مع الإقرار بأن كثيرًا من تفاصيل نطقها ومعاني مفرداتها ما زالت تحمل قدرًا من عدم اليقين بسبب طبيعة الكتابة المسمارية والاعتماد على المقابلات الأكادية.
وهذه الحقيقة لا ينبغي أن تتحول إلى جدار يمنع البحث، كما لا ينبغي أن تتحول إلى فراغ نملؤه بأي نظرية نحبها.
فالعلم لا يقول.. بما أننا لم نعرف صلة السومرية بأي لغة، فلا يمكن أن تكون هناك صلة. بل يقول.. الدليل لم يصل بعد إلى مستوى إثبات القرابة.
وهنا تظهر أهمية كلام صموئيل نوح كريمر. فقد لاحظ أن السومرية لغة إلصاقية، وأن هذا النوع من البنية موجود أيضًا في التركية والمجرية والفنلندية، لكنه كان واضحًا في الوقت نفسه في القول إن ذلك لا يعني أن هذه اللغات أقارب للسومرية.. فقد اعتبر السومرية، في معرفته العلمية آنذاك، لغة منفردة غير مرتبطة بلغة معروفة.
إذن، لا يصح أن ننسب إلى كريمر القول إن السومرية لغة طورانية أو تركية قديمة.
لكن يصح أن نقول إن التشابه النمطي بين السومرية وبعض اللغات الإلصاقية، ومنها التركية، كان معروفًا وملاحظًا.
وهنا تبدأ المسألة الحقيقية.
حين نجد، مثلًا، udun السومرية مقابل odun التركية بمعنى الحطب، فإن العين اللغوية تتوقف.
الصوت قريب، والمعنى قريب، والمشهد الحضاري نفسه ليس غريبًا عن أي منهما. ولكن التوقف ليس حكمًا.
فهناك تفسير اشتقاقي داخلي معروف للكلمة التركية odun، ولذلك لا يمكن أن نقول بمجرد التشابه إن التركية أخذتها من السومرية.
هذه بالضبط هي النقطة التي تجعل علم اللغة التاريخي أكثر صرامة من مجرد مقارنة الكلمات.
والأمر نفسه ينطبق على su، الماء، وعلى ana، الأم، وعلى كلمات أخرى عرضتها في نقاشنا.
قد يكون التطابق مهمًا.
وقد يكون قديماً.
وقد يكون اقتراضاً.
وقد يكون مصادفة.
وقد يكون وراءه أصل أقدم لا نعرفه.
والحقيقة أن الكلمة القصيرة أخطر من الكلمة الطويلة.. لأن احتمال المصادفة فيها أعلى.
فإذا تطابقت كلمة من مقطعين أو ثلاثة أحرف، فهذا مثير للاهتمام، أما إذا وجدنا عشرات الكلمات الطويلة ذات بنية صوتية متقاربة، ومعانٍ متطابقة، وتحولات صوتية منتظمة، فهنا يبدأ الجدار الفاصل بين المصادفة والقرابة في الانهيار.
لكن اللغة وحدها ليست الشاهد الوحيد.
هناك شاهد آخر صامت.. الأثر.
في جنوب تركمانستان، ولا سيما في آناو، تظهر مجتمعات زراعية مستقرة منذ الألف الخامس قبل الميلاد، وتتطور تقاليد الفخار والمعدن والاستقرار الحضري في مراحل لاحقة.
وقد شدد عالم الآثار فريدريك هيبرت، في دراساته عن آناو، على أن آسيا الوسطى لم تكن مجرد هامش يستقبل الحضارة من بلاد الرافدين، بل كانت طرفًا مهمًا في العمليات الاقتصادية والاجتماعية التي أدت إلى نشوء العمران في العالم القديم.
وهذه نقطة تستحق التأمل.
فالتاريخ القديم لم يكن عالمًا من جزر منفصلة.
لم تكن سومر وحدها، ثم خلفها الصمت.
كان هناك ممر هائل يمتد من آسيا الوسطى عبر الهضبة الإيرانية وزاغروس إلى بلاد الرافدين.
وعلى هذا الممر تحرك الإنسان، والمعادن، والحجارة، والأفكار، والرموز، والسلع، وربما الكلمات أيضًا.
وتؤكد الأدلة الأثرية وجود اتصالات بين آسيا الوسطى وبلاد الرافدين في الألف الثالث قبل الميلاد.
فقد عُثر على مصنوعات من آسيا الوسطى في المقابر الملكية في أور،
كما ظهرت مصنوعات مرتبطة ببلاد الرافدين في مواقع آسيا الوسطى، وتظهر أيضًا صلات عبر الهضبة الإيرانية.
وقد جمع فريدريك هيبرت هذه الأدلة في دراسته عن ختم آناو وشبكات التفاعل الأوراسية.
هنا يصبح السؤال اللغوي أكثر إثارة.
فإذا كان الإنسان قادرًا على الانتقال بين هذه المناطق، وإذا كانت السلع تنتقل، وإذا كانت التقنيات تنتقل، وإذا كانت الرموز الفنية تتنقل، فإن فكرة انتقال بعض المفردات ليست مستحيلة من حيث المبدأ.
لكنها تحتاج إلى إثبات..
وهذا هو الفرق بين إمكان تاريخي وبرهان لغوي..
إن التشابه بين الفخار في مناطق بعيدة لا يعني أن أحدهما صنع الآخر.
والتشابه بين أداة زراعية وأخرى لا يعني بالضرورة أن الأداة هاجرت مع شعب. وكذلك الكلمات.
لكن عندما تتجمع القرائن يصبح المشهد أكثر إثارة.
لغة.
وأسماء أماكن.
وفخار.
ومعدن.
وأختام.
وتجارة.
وأدوات.
وأنماط حياة.
ثم كلمات تتشابه في الصوت والمعنى..
عندها لا يعود السؤال.. هل هذه الكلمة تشبه تلك؟
بل يصبح.. هل نحن أمام بقايا شبكة قديمة من التفاعل بين المجتمعات التي عاشت من آسيا الوسطى إلى بلاد الرافدين؟
وهذا السؤال مشروع..
بل إن تاريخ الأبحاث نفسه يبين أن موقع السومرية اللغوي لم يُغلق نهائيًا من الناحية البحثية.
فقد استمرت محاولات مختلفة لربطها بعائلات لغوية أخرى. وفي عام 2023، عُقدت في جامعة إنسبروك ورشة متخصصة بعنوان «الموقع اللغوي للسومرية.. معزولة أم غير معزولة؟»،
وهو عنوان يكشف أن المسألة ما زالت موضوع نقاش علمي، رغم أن التصنيف السائد لا يزال يعتبرها لغة معزولة.
بل توجد بالفعل أبحاث اقترحت روابط مع لغات ألطية أو تركية، مثل دراسة إيوانيس كينانيديس وإفانجيلوس باباكيتسوس، التي اقترحت تصنيفًا ألطيا للسومرية وقدمت قواعد صوتية مقترحة.
لكن هذه فرضية بحثية غير مقبولة كإجماع علمي، ويجب عرضها بهذه الصفة لا بوصفها حقيقة مثبتة.
وهنا تكمن قيمة البحث الحقيقي: أن نعطي الفرضية حقها من الاختبار، لا حقها من التصديق المسبق.
فإذا كانت لدينا 350 كلمة متشابهة بين السومرية والتركية، فإن الرقم وحده لا يحسم المسألة. ولكن إذا أمكن إثبات أن عددًا معتبرًا منها:
تظهر في السومرية بصيغة صحيحة،
وتملك المعنى نفسه،
ولها مقابل تركي قديم موثق،
ولا يوجد لها تفسير تركي داخلي أفضل،
ولا يمكن تفسيرها بلغة وسيطة،
وتتبع قواعد صوتية منتظمة،
وتتكرر هذه القواعد في عشرات الكلمات،
فإننا لا نكون أمام تشابهات وحسب.. بل أمام مشكلة لغوية حقيقية تستحق إعادة النظر.
أما إذا كانت الكلمات منتقاة من معاجم حديثة، وبعضها قصير جدًا، وبعضها تغير معناه، وبعضها له أصل تركي معروف، وبعضها يعتمد على قراءة سومرية غير مؤكدة، فإن العدد سينخفض، وستتضح الحدود بين التشابه الحقيقي والتشابه الظاهري.
وهذا لا يقلل من قيمة البحث؛ بل يزيدها.
لأن الباحث الحقيقي لا يخاف من أن تسقط بعض كلماته.
بل يعرف أن كل كلمة تسقط تكشف لنا أين كان الخطأ، وكل كلمة تصمد تجعل القضية أقوى.
ومن هنا أرى أن التركمانية العراقية تستحق أن تُدرس في هذا السياق، لا باعتبارها سومرية متأخرة، ولا باعتبارها تركية خالصة بلا أثر محلي، وإنما باعتبارها لغة تشكلت داخل واحدة من أقدم مناطق التفاعل الحضاري في العالم.
فالتركماني العراقي لم يعش في فراغ جغرافي..
عاش في العراق.
والعراق نفسه ليس صفحة بدأت مع وصول أي قومية، بل كتاب تراكمت صفحاته فوق بعضها.. سومر، أكد، بابل، آشور، الآراميون، الفرس، اليونان، الرومان، العرب، ثم موجات تركية متعددة وغيرها.
ولذلك قد تحمل لغة الإنسان في العراق طبقات أكثر من هوية واحدة.
قد تكون الكلمة تركية في بنيتها الحديثة، لكنها استعارت معنى من البيئة العراقية وبالعكس.
وقد تكون سومرية الأصل ثم دخلت التركية.
وقد تكون فارسية عبرت إلى التركية.
وقد تكون كلمة أقدم بكثير، بقيت في البيئة المحلية ثم أعيد تفسيرها في لغة لاحقة.
وقد يكون هناك، في حالات نادرة، أثر لغوي بالغ القدم لا نعرف طريقه بعد.
وهنا تصبح الكلمة أشبه بقطعة فخار عثر عليها عالم آثار في طبقة مجهولة..
شكلها مألوف، لكن قيمتها الحقيقية لا تظهر إلا عندما نعرف الطبقة التي خرجت منها.
ولهذا فإن السؤال عن السومرية والتركية لا ينبغي أن يكون سؤالًا قوميًّا، بل سؤالًا علميًا.
إنه سؤال عن الزمن.
عن الإنسان الذي تحرك قبل أن تعرف الشعوب حدودها الحديثة.
عن الطرق التي كانت تصل أور بآسيا الوسطى قبل أن نعرف كلمة طريق الحرير.
وعن قدرة الذاكرة البشرية على الاحتفاظ بشيء صغير جدًا.. كلمة.
ربما تكون بعض هذه الكلمات مصادفة.
وربما يكون بعضها نتيجة اتصال قديم.
وربما تحمل مجموعة منها أثر لغة أو لغات اندثرت ولم يصلنا منها نص واحد.
وهنا لا ينبغي أن نقفز إلى النتيجة.
ينبغي أن نقف أمام الغموض نفسه.
فالسومريون تركوا لنا مدنًا عظيمة، ومعابد، ونصوصًا، وأناشيد، وحسابات، وأساطير. لكنهم لم يتركوا لنا كتابًا يقول.. من أين جئنا؟
والسؤال الذي لم تجب عنه ألواح الطين ربما لن تجيب عنه كلمة واحدة.
لكن قد تجيب عنه مئات الكلمات، إذا قرأناها لا بعاطفة الانتماء، ولا بعاطفة الرفض، وإنما بعين الباحث الذي يعرف أن الحقيقة لا تخاف من الاختبار.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة المقارنة بين السومرية والتركية: ليست في أن نثبت أن شعبًا هو شعب آخر، بل في أن نسأل إن كان الماضي الذي نظنه مقسمًا إلى شعوب منفصلة كان في الحقيقة نسيجًا واحدًا من الاتصالات البشرية، امتدت خيوطه من سهول آسيا الوسطى إلى أهوار العراق، ومن آناو إلى أور، عبر آلاف السنين.
وقد يكون أعظم ما تخبرنا به هذه المقارنة أن الحضارات لا تعيش في عزلة.
الحضارة لا تسير في خط مستقيم.. إنها نهر. تتفرع، وتعود، وتختلط، وتضيع بعض روافدها، لكن الماء نفسه يواصل رحلته.
والكلمة، في النهاية، ليست مجرد صوت.
إنها ذاكرة نجت من موت أصحابها.
المصادر والمراجع
Samuel Noah Kramer, The Sumerians: Their History, Culture, and Character, University of Chicago Press. وهو من أهم الأعمال الكلاسيكية في دراسة التاريخ والثقافة واللغة السومرية.
Samuel Noah Kramer, Sumerian Mythology. ويقدم فيه وصفًا مهمًا لبنية السومرية الإلصاقية مع تأكيده أنها لم تكن، في رأيه، ذات صلة مثبتة بالتركية أو المجرية أو الفنلندية.
Piotr Michalowski, “Sumerian Language,” Encyclopedia of Ancient History. يصف السومرية بأنها لغة منقرضة معزولة في بلاد الرافدين، موثقة بالكتابة المسمارية منذ الألف الثالث قبل الميلاد.
Electronic Text Corpus of Sumerian Literature (ETCSL)، جامعة أكسفورد، وهو من أهم الموارد الإلكترونية للنصوص والأدب السومري، ويشرح حدود إعادة بناء أصوات ومعاني السومرية.
Electronic Text Corpus of Sumerian Royal Inscriptions (ETCSRI)، جامعة بنسلفانيا، وهو corpus علمي للنقوش الملكية السومرية مع التحليل الصرفي والنحوي.
Fredrik T. Hiebert, A Central Asian Village at the Dawn of Civilization: Excavations at Anau, Turkmenistan, University of Pennsylvania Museum, 2003. وهو مرجع أساسي في دراسة آناو ودور آسيا الوسطى في نشوء العمران.
Fredrik T. Hiebert, “The Context of the Anau Seal,” Sino-Platonic Papers 124. يناقش الأدلة على التفاعل بين آسيا الوسطى وإيران وبلاد الرافدين في الألف الثالث قبل الميلاد، بما فيها العثور على مصنوعات من آسيا الوسطى في أور.
Encyclopaedia Iranica, “Archaeology V: Pre-Islamic Central Asia”، ويتناول تطور جييتون وآناو ونامازغا تيبي وألتين تيبي والتسلسل الأثري لجنوب تركمانستان.
Ioannis Kenanidis & Evangelos C. Papakitsos, “Yet Another Suggestion about the Origins of the Sumerian Language,” International Journal of Linguistics، وهي دراسة تقترح صلة ألطية للسومرية؛ تُذكر هنا بوصفها فرضية بحثية خلافية وليست إجماعًا علميًا.
Gonzalo Rubio, “Morphologies of Asia and Africa,” حيث يناقش السومرية بوصفها لغة معزولة، مع تأريخ مبكر لنصوصها في أوروك وجمدة نصر.
الصورة: قلعة كركوك التي دمرها النظام السابق في تسعينيات القرن الماضي.

0 تعليقات