بقلم نوران ارسلان
في ذكرى الإبادة الإيزيدية وجرائم داعش
كان الهدوء يعمّ القرى، وكانت الأرض تمضي في دورتها البسيطة؛ بيوتٌ بأهلها، وحقولٌ بخضرتها، وأطفال يعرفون طرقاتهم، ونساء ورجال يبدؤون يومهم وهم يظنون أن المساء سيعيدهم إلى بيوتهم كما في كل مرة.
لكن خلف ذلك الهدوء كانت تختبئ نوايا لم يعلم بها إلا الله، حتى جاءت اللحظة التي انقلب فيها كل شيء.
في آب 2014، اجتاح تنظيم داعش مناطق واسعة، وكانت سنجار ومناطق الإيزيديين مسرحًا لواحدة من أشد المآسي قسوة. ولم يكن الإيزيديون وحدهم من عانوا من جرائم التنظيم، فقد طالت وحشيته مكونات عراقية أخرى، إلا أن ما تعرض له الإيزيديون حمل جرحاً استثنائياً وثقيلاً في ذاكرة العراق.
في لحظة، سُلبت الأرض خضرتها، والبيوت أهلها، والإنسان حريته، والأطفال أمانهم. أصبح الطريق الذي كان يقود إلى بيت أو حقل طريقاً نحو مصير مجهول، ومشى أطفال حفاة لا يعرفون لماذا يهربون ولا إلى أين.
كيف هان على إنسان أن يرى طفلاً يمضي خائفاً نحو المجهول ولا يرحمه؟
وكيف هان عليهم أن يفرقوا العائلات، وأن يحاصروا الرجال ويقتلوا منهم، وأن يأسروا النساء والفتيات ويعاملوهن كأن الإنسان يمكن أن يتحول إلى سلعة تُنقل من يد إلى أخرى؟
نقرأ شهادات الناجين، فنشعر أن اللغة أصغر من المأساة: أب يحمل طفلته باحثا عن الأمان، وناجون أنهكهم الجوع والعطش، ومفقودون ظل أهلهم سنوات لا يعرفون إن كانوا أحياء أم رحلوا. وعائلات لم يبق لها من أحبائها سوى الانتظار.
كيف سنروي ذلك للأجيال القادمة؟
سنقول لهم إن البراءة قُتلت يومها، وإن الأشياء الثمينة تناثرت على الأرض وفقدت قيمتها، لأن أغلى ما كان يبحث عنه الإنسان لم يكن مالاً ولا بيتاً، بل النجاة.
لكن علينا أيضاً أن نقول لهم شيئاً آخر: لا ينبغي أن نمنح المجرم شرف الاختباء خلف الدين.
لا دين يمنح الإنسان حق قتل المختلف أو سلب بيته وكرامته وحريته. وما ارتكبه داعش كان فكراً متطرفاً استغل الجهل، وغذّى الكراهية، وحوّل الإنسان الذي فقد بوصلته الأخلاقية إلى أداة بيد من يزرع في رأسه الوهم والعداء.
فالإنسان الذي لا يمتلك وعيا ومبدأً راسخاً يصبح أكثر عرضة لمن يحاول توجيهه حيث يشاء.
وهنا تبدأ مسؤوليتنا.
فالجهل ليس مجرد أن يجهل الإنسان القراءة والكتابة؛ قد يكون جهلاً بالآخر، وجهلاً بالدين، وجهلاً بمعنى الإنسانية. وقد تبدأ بذرة الكراهية من بيت يعلّم أبناءه أن المختلف أقل منهم، ثم تكبر حين تغيب المؤسسات التعليمية والثقافية، ويضعف التفكير النقدي، وتتحول الأفكار الرديئة المتوارثة إلى حقائق لا يسمح أحد بمناقشتها.
عندها لا يولد التطرف فجأة؛ بل يجد أرضاً أُعدّت له بصمت.
لذلك فإن الوفاء لضحايا الإيزيديين ولكل ضحايا الإرهاب لا يكون بالحزن وحده، بل بأن نحفظ ذاكرتهم، ونبحث عن المفقودين، وننصف الناجين، ونعيد إعمار البيوت والنفوس، ونربي أجيالاً تعرف أن الاختلاف لا يمنح أحدا حق إلغاء الآخر.
أما كيف نداوي جرح الأهالي، وكيف نجعل بيوتهم عامرة بالأفراح من جديد؟
ربما لا نستطيع محو ما حدث، لكننا نستطيع ألا نسمح بأن يصبح النسيان جريمة أخرى.
فالظلام مهما طال عمره يخشى لحظة واحدة من الضوء.
وحين تشرق الشمس، يركض الظلام مسرعاً؛
لأن الظلام لا يحب النور...
ولا يستطيع أن يهزم الحقيقة إلى الأبد.
نوران أرسلان
وكالة صدى الثقافية

0 تعليقات