عراق

مسيرة الإبداع والوفاء... أستاذ المقامات العراقية الفنان القدير محمد رؤوف





إعداد: نبيل كوزه جي
📌 مقدمة تعريفية
يُعدّ الفنان القدير محمد رؤوف نجمًا لامعًا في سماء الأغنية التركمانية والعراقية، وقامة فنية سامقة حفرت اسمها باقتدار في الذاكرة الثقافية والفنية للبلاد.
تميّز ببراعته الفريدة في أداء المقامات العراقية والخوريات بدقة وإحساس عالٍ، فضلًا عن البستات والأغاني المتنوعة التي أسرت قلوب الجماهير في كركوك وعموم العراق وخارجه.
وعلى مدار مسيرة مباركة امتدت لأكثر من خمسة عقود، أثبت حضوره الراسخ وقدرته الفذّة على تقديم الفن الأصيل الذي ينهل من التراث العريق.

📌 الجذور والنشأة الأولى
وُلد الفنان محمد رؤوف صالح مصطفى في محافظة كركوك عام 1944، وتحديدًا في محلة آوچي.
نشأ في بيئة تشبعت بروح التراث والتعبير الشعبي؛ فقد تأثر عميقًا بوالدته التي كانت تحفظ الكثير من الأشعار والخوريات التركمانية، وتؤديها بشغف وحنان، مما خلّف أثرًا بالغًا في نفسه وروحه منذ الطفولة.
وتجلّت موهبته المبكرة في سن التاسعة، حين صدح صوته لأول مرة في حفل «طهور»، مقدمًا البستات والخوريات، لينال إعجاب الحاضرين الذين شجعوه لما لمسوه فيه من موهبة فطرية وشجاعة وصوت شجي.

📌 البدايات والخطوات الأولى نحو الاحتراف
الإنشاد الديني:
نما شغف الفنان مع الأيام، فكان يتردد على العديد من الجوامع والتكايا البارزة في كركوك، مثل جامع أبو علوك، وجامع ملا عابد، وجامع شيخ حسام الدين، وتكية الطالباني، للمشاركة في حلقات الذكر والتهاليل وقراءة المقامات والخوريات الدينية.

ا📌 لرعاية والتعلّم:
حظي بتوجيه وتشجيع كبار القرّاء والملاّء، أمثال ملا عبود وملا نورالدين بقال أوغلو، وتتلمذ على يد السيد مصطفى كوزه جي، الذي علّمه أصول المقامات، ومنها مقام «أورفة».

📌 التأسيس الموسيقي:
مع افتتاح القسم التركماني في إذاعة بغداد عام 1959، استمع إلى رواد الأغنية التركمانية والعراقية، وفي عام 1960 اقتنى آلة العود، وتلقى دروسًا عملية على يد الفنان سعاد عزت أرسلان، مما مكّنه من الإلمام بالأصول الموسيقية المتقدمة.
المحطات الفنية والمشاركات المهرجانية الكبرى
شارك الفنان محمد رؤوف في العديد من المهرجانات والحفلات الوطنية والثقافية البارزة داخل العراق وخارجه، ومن أبرزها:
مشاركات وطنية مبكرة:
شارك في الحفل الكبير الذي أُقيم عام 1961 على مسرح جمعية الهلال الأحمر في كركوك، احتفاءً بشفاء الزعيم عبد الكريم قاسم، حيث أبدع في العزف على آلة العود لمختلف البستات والخوريات التي غنّاها الفنان الكبير رشيد كوله رضا لمدة ساعة كاملة، ومن دون تدريب مسبق.
حفلات نادي الإخاء التركماني وفرقة الثورة:
انخرط في نشاطات نادي الإخاء التركماني في بغداد، وشارك في الفعاليات الفنية لفرقة نادي الثورة الرياضي، مسافرًا معها إلى قضاء تلعفر لتقديم العروض الفنية احتفاءً بالحقوق الثقافية للتركمان.
المهرجانات الكبرى داخل العراق:
شارك في مهرجان بابل عشر مرات، ومهرجان المقام القطري ست مرات، فضلًا عن مشاركته في المهرجان البدوي الريفي، ومهرجان ملا عثمان الموصلي في أربيل، ومهرجان محمد القبانجي في السليمانية، ومهرجان «عراق السلام ينشد المقام» في بغداد، إضافة إلى مشاركته في فعاليات «يوم الموسيقى العالمي» عام 2011.
المشاركات الدولية:
مثّل الفن العراقي والتركماني في مهرجان الأغاني التركمانية في أنقرة عام 2005، وفي مهرجان «يوم المقام الأذربيجاني» في باكو عام 2011، حيث قدّم عروضًا متميزة في بيت المقام الأذربيجاني «قيز قلعه سي» ومتحف التراث الأذربيجاني، بحضور دبلوماسي رفيع المستوى.
الأرشيف الفني والتلحين
الإنتاج الغني:
يزخر أرشيف الفنان محمد رؤوف بأكثر من 200 عمل فني متنوع، شملت الأغاني العاطفية، والأناشيد الوطنية، والأعمال الدينية، في مسيرة تعكس ثراء تجربته وتنوعها.
📌 الأغنية الشهيرة:
تُعدّ أغنية «بونه بوي»، التي سجلها في تلفزيون كركوك عام 1984، واحدة من أهم محطات شهرته الواسعة؛ إذ تجاوز صداها الحدود القومية، ونالت إعجاب مختلف شرائح المجتمع العراقي.

📌 التسجيلات الخارجية:

سجّل عددًا من الأغاني في إذاعات تركيا العريقة؛ ففي عام 1978 سجّل خمس أغنيات في إذاعة أنقرة، من بينها أغنية «بير عرق وير، بير شراب وير»، التي حققت انتشارًا واسعًا وأدّاها العشرات من المطربين.
وأعقب ذلك تسجيلات أخرى في إذاعة إسطنبول أعوام 1981 و1993 و1995، لتصبح تجربته الفنية حاضرة داخل العراق وخارجه.

📌 التلحين والتأسيس:
لم يقتصر دوره على الغناء والعزف، بل امتد إلى التلحين لعدد من المطربين التركمان البارزين، كما كان من المؤسسين الأوائل لـ**«بيت المقام العراقي في كركوك» عام 1994**.

📌 هموم فنية ورؤية للمستقبل
يؤكد الفنان محمد رؤوف أن الأغنية الأصيلة كانت تستند إلى لجان فحص رصينة تضمن جودة الكلمة واللحن والأداء، مبدياً أسفه على التراجع الذي يعاني منه الواقع الفني اليوم، وغياب الرعاية الجادة للرواد الذين أفنوا سنوات طويلة من حياتهم في خدمة الفن والتراث.

وتكشف هذه الرؤية عن فنان لا ينظر إلى مسيرته باعتبارها تجربة شخصية فحسب، بل يرى الفن مسؤولية ثقافية ورسالة تتطلب الحفاظ على الأصالة والارتقاء بالذائقة الفنية، إلى جانب الاهتمام بالأجيال الجديدة وربطها بجذورها الموسيقية والتراثية.
الخاتمة
بعد أكثر من خمسة عقود من البذل والعطاء، تبقى مسيرة الفنان القدير محمد رؤوف شاهدًا على الوفاء للفن والتراث، وعلى قدرة الفنان الأصيل على حمل ذاكرة مجتمعه وصوته من جيل إلى آخر.
ويختتم مسيرته الحافلة بالتأكيد على أن خدمة الثقافة والفن التركماني طوال هذه العقود كانت بالنسبة إليه وسام فخر واعتزاز، متمنيًا دوام الموفقية لكل العاملين في خدمة التراث والأصالة العراقية العريقة.
لقد جمع محمد رؤوف بين المقام والخوريات والبستات والأغنية، وبين الغناء والعزف والتلحين، وحمل فنه من أحياء كركوك وجوامعها وتكاياها إلى مسارح العراق ومهرجاناته، ومنها إلى أنقرة وإسطنبول وباكو، ليترك وراءه أرشيفًا فنيًا وذاكرة تستحق التوثيق والوفاء.
📌 المصادر
الفنان محمد رؤوف، مقابلة خاصة، عام 2026م.
مقابلات تلفزيونية مع الفنان محمد رؤوف.
فاضل محمد بربر أوغلو، مجلة توركمن إيلي، العدد 49، السنة الخامسة، شباط 2012م، ص 17–19.
فلاح يازار أوغلو، مجلة توركمن إيلي، العدد 61، السنة السادسة، شباط 2013م، ص 17–18.

إرسال تعليق

0 تعليقات