عراق

لماذا أصبحت تربية الأبناء صعبة جدا في عصرنا الراهن



د. أيوب عبد الحميد
هذا السؤال يمسّ جرحا عميقاا  في روح العصر. فالتربية ليست أصعب لأن الأبناء تغيّروا، بل لأن المعادلة كلها انقلبت رأسًا على عقب.
أنت تربي وحدك في مواجهة «قرية رقمية كونية». سابقًا، كانت الأسرة والمدرسة والمسجد على «الموجة نفسها»، أما اليوم فإن طفلك يتلقى قيمًا متناقضة من شاشات متعددة يوميًا، وأنت تحاول منافسة خوارزميات صُممت لجذب انتباهه وإبقائه أطول وقت ممكن، لا لتربيته.
العصر الراهن يتطلب الانتقال من «التلقين» إلى «التفاوض». عند الأجيال السابقة، كانت التربية تعني في كثير من الأحيان أوامر تُطاع، أما الآن فالطفل يسأل: «لماذا؟» منذ عمر مبكر، ويحتاج إلى تفسير وإقناع في كثير من القرارات. وهذا قد يكون مرهقًا للوالدين، لكنه قد يكون أكثر صحة لنمو شخصيته حين يُدار الحوار بصورة سليمة.
ومع غياب «النموذج» لصالح «المثالي»، أصبح الآباء يشككون في قدراتهم. فأنت لست قدوة كاملة، وهذا طبيعي، لكن وسائل التواصل الاجتماعي تعرض لك نماذج لـ«أمهات مثاليات» و«آباء خارقين»، فتتحول التربية إلى شعور دائم بالتقصير والفشل.
كما أصبح الآباء اليوم يعيشون خوفًا مستقبليًا مُشلًّا. كنت في السابق تربي طفلك ليعيش في مجتمع تعرفه إلى حدٍّ كبير، أما اليوم فأنت تربيه لمجتمع لا تعرف تمامًا كيف سيكون شكله في المستقبل؛ في ظل الذكاء الاصطناعي، والمهن المندثرة، والتحولات المناخية والاجتماعية المتسارعة.
وهذا الخوف قد يجعلك متسلطا أحيانًا أو متراخيا أحياناا  أخرى، ونادرًا ما يكون الحفاظ على التوازن أمرًا سهلًا.
الحل ليس في العودة إلى الوراء، بل في إعادة تعريف النجاح في التربية.
فالنجاح اليوم يعني أن تربي طفلا يتكيف لا يطيع بصورة عمياء، يسأل لا يخضع، يخطئ ويتعلم ولا يخاف الفشل. كما أن من أهم المهارات التي يمكن أن تمنحها لطفلك اليوم ليست حفظ الكتب أو إتقان اللغة فحسب، بل الوعي الذاتي والقدرة على إدارة التناقضات.
ويبقى سؤال يعيد صياغة المشكلة من جديد:
ماذا لو كانت هذه الصعوبة ليست فشلًا، بل علامة على أنك تربي إنسانًا حرًا في زمن يريد تحويل الناس إلى عبيد مرتهنين للشاشات؟
تخيّل أن يأتي يوم يتقبل فيه الناس تسمية أبنائهم: «عبد الشاشة» أو «عبد الموبايل» أو «عبد الخوف»... بدلًا من عبد اللات والعُزّى وهُبل!

إرسال تعليق

0 تعليقات