عراق

اتفاقية الدفاع المشترك السعودية وتركيا وباكستان





بقلم عمر رفيق مياس/كركوك

وقّعت اليوم (7 أغسطس 2026):-
نعم، وقد أصبح هذا الموضوع اليوم أكثر أهمية، لأن السعودية وتركيا وباكستان وقّعت اليوم (7 أغسطس 2026) اتفاقية دفاع مشترك ثلاثية في مكة المكرمة، بعد أشهر من المفاوضات التي سبقتها، وتُعد تطورًا استراتيجيًا مهمًا في المنطقة. 

ما هو مضمون الاتفاقية؟

وفقًا لما أُعلن عنه، تتضمن الاتفاقية عدة محاور رئيسية:

* اعتبار أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الدول الثلاث مجتمعة (مبدأ الدفاع الجماعي).
* إجراء مناورات عسكرية مشتركة بصورة منتظمة.
* تبادل المعلومات الاستخباراتية.
* التعاون في الصناعات العسكرية ونقل التكنولوجيا الدفاعية.
* التنسيق الأمني والسياسي لمواجهة التهديدات الإقليمية المشتركة. 


لماذا هذه الدول الثلاث؟

لأن كل دولة تمتلك عنصر قوة مختلفًا:

السعودية

* قوة اقتصادية ومالية هائلة.
* موقع جغرافي يتحكم بممرات الطاقة.
* إمكانات كبيرة لتمويل المشاريع العسكرية.

تركيا

* ثاني أكبر جيش في حلف الناتو من حيث العدد.
* صناعة دفاعية متقدمة (الطائرات المسيّرة، السفن، الصواريخ، المدرعات، الأنظمة الإلكترونية).
* خبرة قتالية وصناعية كبيرة. 

باكستان

* قوة نووية.
* جيش كبير يتمتع بخبرة عملياتية.
* خبرة في الصناعات الصاروخية والجوية. 


ما الفائدة الاستراتيجية؟

إذا نجح هذا التحالف واستمر، فقد يحقق عدة أهداف:

1. تعزيز الردع العسكري، بحيث يصبح التفكير في مهاجمة أي دولة من الدول الثلاث أكثر كلفة.
2. تقليل الاعتماد على القوى الكبرى في توفير الأمن.
3. تطوير الصناعات العسكرية المشتركة، ما قد يسرّع إنتاج أنظمة دفاعية متقدمة.
4. تأمين طرق الطاقة والتجارة في البحر الأحمر والخليج والمحيط الهندي.
5. رفع مستوى التنسيق السياسي في القضايا الإقليمية. 


هل يشبه حلف الناتو؟

من حيث فكرة الدفاع الجماعي نعم، لأن الاتفاق المعلن يتضمن مبدأ قريبًا من المادة الخامسة في الناتو: الاعتداء على عضو يُعد اعتداءً على الجميع.

لكن من حيث البنية والتنظيم فلا يزال يختلف؛ إذ لم يُعلن حتى الآن عن قيادة عسكرية موحدة أو هيكل مؤسسي مماثل للناتو. 


ما التحديات؟

رغم أهميته، يواجه الاتفاق عدة تحديات، منها:

* اختلاف أولويات السياسة الخارجية لكل دولة.
* الحاجة إلى آليات تنفيذ واضحة وقيادة مشتركة.
* احتمال تعرضه لضغوط من قوى إقليمية ودولية ترى فيه تغييرًا في ميزان القوى.
* اختبار مدى التزام الأطراف إذا وقع نزاع فعلي. 

هل يمكن أن يتحول إلى تحالف أوسع؟

هذا احتمال وارد. بعض المحللين يرون أن الاتفاق قد يكون نواة لتعاون أمني أوسع يضم دولًا إسلامية أخرى مستقبلًا، لكن لا توجد حتى الآن إعلانات رسمية عن توسع مؤكد، كما تؤكد الدول الثلاث أن الاتفاق ذو طبيعة دفاعية وليس موجهًا ضد دولة بعينها. 
اقدم تحليلًا جيوسياسيًا عميقًا لهذا الاتفاق:-
هذا الموضوع من أهم التحولات الجيوسياسية التي قد تشهدها المنطقة إذا تطورت الاتفاقية إلى تحالف مؤسسي دائم. وسأحاول تحليلها من زاوية استراتيجية بعيدة عن الانحياز.

أولاً: لماذا الآن؟

التوقيت ليس صدفة، بل يرتبط بعدة عوامل متزامنة:

* تراجع رغبة الولايات المتحدة في تحمل العبء الأمني المباشر في الشرق الأوسط مقارنة بالعقود السابقة.
* ازدياد التوترات الإقليمية، سواء في الخليج أو البحر الأحمر أو جنوب آسيا.
* نمو الصناعات الدفاعية التركية بشكل ملحوظ، ورغبة السعودية في توطين الصناعات العسكرية ضمن رؤية 2030، إضافة إلى امتلاك باكستان خبرة عسكرية وقوة نووية.
* التحول العالمي نحو عالم متعدد الأقطاب، حيث تسعى الدول المتوسطة القوة إلى بناء شبكات أمنية خاصة بها.


ثانياً: ماذا يملك هذا التحالف؟

لو جمعنا إمكانات الدول الثلاث، فسنجد عناصر تكامل أكثر من التنافس.

السعودية

* اقتصاد ضخم وموارد مالية كبيرة.
* ثقل سياسي وديني في العالم الإسلامي.
* موقع يتحكم بجزء مهم من تجارة الطاقة العالمية.

تركيا

* قاعدة صناعية دفاعية متطورة.
* خبرة في تصنيع المسيّرات والسفن الحربية والمدرعات وبعض منظومات الصواريخ.
* موقع يربط أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.

باكستان

* دولة نووية.
* جيش كبير ذو خبرة عملياتية.
* خبرة في تطوير الصواريخ والتقنيات العسكرية.

كل دولة توفر ما ينقص الأخرى.


ثالثاً: ماذا ينقص التحالف؟

لكي يصبح شبيهاً بالناتو يحتاج إلى:

* قيادة عسكرية مشتركة.
* هيئة أركان موحدة.
* منظومة دفاع جوي متكاملة.
* عقيدة قتالية مشتركة.
* صندوق تمويل دائم.
* صناعات دفاعية مشتركة وليست مجرد عقود بيع وشراء.

إذا لم تتوفر هذه العناصر، فقد يبقى إطارًا للتنسيق أكثر منه حلفًا دفاعيًا متكاملًا.


رابعاً: التأثير على إيران

إيران ستنظر إليه باعتباره عاملًا جديدًا في ميزان القوى، لكنها ستتابع كيفية تطبيقه عمليًا قبل أن تعيد حساباتها بالكامل.

إذا أثبت التحالف تماسكه، فقد يدفع جميع الأطراف إلى زيادة الاهتمام بسياسات الردع والحوار في آن واحد، لأن التحالفات الدفاعية كثيرًا ما تهدف إلى منع الحرب أكثر من خوضها.


خامساً: التأثير على إسرائيل

ستراقب إسرائيل هذا التطور عن كثب، لأن أي تعاون دفاعي واسع في المنطقة قد يؤثر في البيئة الأمنية المحيطة بها.

لكن تقييمها سيعتمد على طبيعة التعاون الفعلية: هل يقتصر على الدفاع المشترك والتصنيع العسكري، أم يتطور إلى تنسيق سياسي وأمني أوسع؟


سادساً: التأثير على الهند

الهند ربما تكون الأكثر متابعة لهذا التحالف بسبب العلاقة التاريخية المعقدة مع باكستان.

ومن المتوقع أن تستمر في:

* تعزيز قدراتها العسكرية.
* توسيع شراكاتها مع قوى أخرى.
* الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع السعودية وتركيا قدر الإمكان، رغم وجود ملفات خلافية مع أنقرة.


سابعاً: التأثير على الولايات المتحدة

قد ترى واشنطن في هذا التعاون جانبين:

* إيجابيًا إذا أسهم في تحمل الحلفاء مسؤولية أكبر عن أمنهم.
* وسلبيًا إذا أدى إلى استقلالية استراتيجية تقلل من نفوذها في المنطقة.

لذلك من المرجح أن يكون موقفها مزيجًا من الترحيب الحذر والمتابعة الدقيقة.


ثامناً: التأثير على الصين

الصين قد تنظر بإيجابية إلى أي استقرار يحمي طرق التجارة والطاقة، خاصة إذا لم يتحول التحالف إلى محور موجه ضدها.


تاسعاً: التأثير على روسيا

روسيا ستحاول الحفاظ على علاقاتها مع الدول الثلاث، مع متابعة أي انعكاسات على موازين القوى الإقليمية، خصوصًا في البحر الأسود والشرق الأوسط.


عاشراً: هل يمكن أن ينضم إليه آخرون؟

إذا أثبت نجاحه، فقد يفتح الباب أمام أشكال مختلفة من الشراكة مع دول أخرى، سواء عبر التعاون الصناعي أو التدريبات أو التنسيق الأمني، لكن ذلك سيعتمد على توافق المصالح والإرادة السياسية.


رؤيتي الاستراتيجية

إذا نجحت الدول الثلاث في الانتقال من اتفاق سياسي إلى بناء مؤسسات دائمة، فقد يظهر خلال العقد القادم أحد أهم التكتلات الدفاعية في العالم الإسلامي.

ولو أضيفت إليه مستقبلاً عناصر مثل:

* صناعة عسكرية مشتركة.
* منظومة دفاع جوي وصاروخي موحدة.
* قوات تدخل سريع.
* تعاون في الأمن السيبراني والفضائي.
* برامج بحث وتطوير مشتركة.

فقد يتحول إلى قوة إقليمية ذات تأثير عالمي، ليس بالضرورة لمنافسة الأحلاف الكبرى، بل لتوفير قدر أكبر من الاعتماد الذاتي في الأمن والدفاع.

في المقابل، يبقى نجاح أي تحالف مرهونًا بقدرته على إدارة الخلافات بين أعضائه، والمحافظة على استمرارية التعاون عند تغير الحكومات أو الظروف الدولية. لذلك فإن السنوات الأولى ستكون الاختبار الحقيقي لمدى صلابة هذا التعاون وإمكان تحوله إلى منظومة استراتيجية طويلة الأمد

وهل هذه الاتفاقية نتيجة فشل القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، في دول الخليج خاصة، وبمباركة أمريكية أم لا؟

الإجابة المختصرة هي: لا يمكن الجزم بأن هذه الاتفاقية هي نتيجة فشل القواعد العسكرية الأمريكية، ولا يمكن الجزم أيضًا بأنها تمت بمباركة أمريكية كاملة. لكن يمكن تحليلها ضمن سياق أوسع.

أولاً: هل فشلت القواعد الأمريكية؟

ليس تمامًا، لكنها لم تعد تحقق الأهداف نفسها التي حققتها قبل 20 أو 30 عامًا.

فالولايات المتحدة ما زالت تحتفظ بوجود عسكري كبير في الخليج، لكن المنطقة شهدت أحداثًا أظهرت أن الاعتماد على المظلة الأمريكية وحدها لا يمنع جميع التهديدات. وهذا دفع دولًا في المنطقة إلى التفكير في تنويع شراكاتها الدفاعية، وليس بالضرورة استبدال الولايات المتحدة.


ثانياً: لماذا تتجه السعودية إلى تركيا وباكستان؟

من وجهة نظري الاستراتيجية، هناك أربعة أسباب رئيسية:

1. الاستقلال الاستراتيجي
    * السعودية تريد أن تكون صاحبة قرارها الأمني، لا أن تعتمد على طرف واحد.
2. نقل التكنولوجيا
    * الولايات المتحدة تبيع أسلحة متطورة، لكنها تفرض قيودًا على نقل التكنولوجيا.
    * تركيا أكثر استعدادًا للدخول في التصنيع المشترك.
    * باكستان تمتلك خبرات مهمة في بعض المجالات العسكرية.
3. تنويع مصادر التسليح
    * الاعتماد على مصدر واحد يخلق نقاط ضعف في حال تغيرت الظروف السياسية أو القيود على التصدير.
4. بناء قاعدة صناعية محلية
    * هذا يتوافق مع أهداف السعودية في توطين نسبة كبيرة من الإنفاق العسكري.


ثالثاً: هل أمريكا راضية؟

أعتقد أن الموقف الأمريكي سيكون براغماتيًا أكثر من كونه رفضًا أو تأييدًا مطلقًا.

إذا بقي التحالف:

* مكملًا للمنظومة الأمنية القائمة.
* ولم يتحول إلى محور معادٍ للولايات المتحدة.
* ولم يؤثر على التعاون العسكري القائم.

فقد تتعامل واشنطن معه باعتباره جزءًا من توجه الحلفاء لتحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم.

أما إذا تطور إلى منظومة تقلل بشكل كبير من النفوذ الأمريكي أو تستبدل المنظومات الأمريكية بمنظومات منافسة، فمن المرجح أن تنظر إليه بقدر أكبر من الحذر.


رابعاً: لماذا تركيا؟

لأن تركيا اليوم ليست تركيا قبل عشرين عامًا.

فقد نجحت في بناء قاعدة صناعية دفاعية في مجالات مثل:

* الطائرات المسيّرة.
* السفن الحربية.
* المدرعات.
* بعض أنظمة الصواريخ.
* الإلكترونيات العسكرية.

وهذا يجعلها شريكًا جذابًا للدول التي ترغب في تطوير صناعاتها الدفاعية، وليس مجرد شراء المعدات.


خامساً: هل يمكن أن يكون الهدف الحقيقي أكبر من الدفاع؟

أعتقد أن هذا هو السؤال الأهم.

إذا نظرنا إلى الخريطة نجد أن الدول الثلاث تمتد من:

* شرق البحر المتوسط.
* البحر الأحمر.
* الخليج العربي.
* بحر العرب.
* المحيط الهندي.

وهذا يمنحها، إذا تعمق التعاون، قدرة أكبر على التنسيق في حماية طرق التجارة والطاقة، إلى جانب تعزيز الصناعات الدفاعية والقدرات التقنية.

رؤيتي المتواضعة

أرى أن هذه الاتفاقية ليست إعلانًا عن نهاية الدور الأمريكي في المنطقة، بل تعكس انتقالًا من الاعتماد الكامل على قوة واحدة إلى سياسة تنويع الشراكات.

إذا نجحت، فقد تصبح نموذجًا لتحالف إقليمي يعتمد على تكامل الموارد:

* التمويل السعودي،
* والتكنولوجيا التركية،
* والخبرة العسكرية والقدرات النووية الباكستانية.

لكن يبقى نجاحها مرهونًا بتحويل المبادئ المعلنة إلى مؤسسات دائمة وآليات تنفيذ عملية.

وفي تقديري، فإن أكبر اختبار لهذا التحالف لن يكون في توقيع الاتفاقية، بل في كيفية تصرف أعضائه عند أول أزمة حقيقية؛ فهناك يتبين ما إذا كان إطارًا للتعاون أم تحالفًا دفاعيًا راسخًا

إرسال تعليق

0 تعليقات