الكاتب: ✍️ عبدالحميد آل كلوت
تاريخ المقال: 6 / 7 / 2026
التصنيف:
- النقد الأدبي
- الدراسات الشعرية
- قراءة نقدية
بشرى سالم حاصلة على بكلوريوس تربية / جامعة بغداد / صدَرَ لها ثلاثة مجموعات شعرية (شيء ما ياخذني اليك) و (الإنتظار ينبت ازهارًا) و (لأجل لا شيء).
(لأجلِ لاشيئ) هو العتبة النصية الأولى التي أمهرت بها الشاعرة مجموعتها الشعرية ، وأرى إنها قد وُفِّقت في هذهِ التسمية لِما يحملهُ العنوان من دلالات ؛
(لأجل) فيها دلالة سببية تسير نحو غاية او دافع قوي . (لاشيئ) هو دلالة على العدم وإنعدام القيمة . ومن هذا التحليل المُبَسط أصبح العنوان يوحي بِمسحة فلسفية (هدف بلا هدف).
العنوان فيهِ ثلاثة قراءات :
1 . قراءة رومانسية : وفي أغلب نصوص المجموعة سيرى القارئ النموذجي صورًا رومانسية نهايتها لاشيئ .
2 . قراءة وجودية : تتعلق هذه القراءة بالحياة وتفرعاتها وقد بَيَّنت الشاعرة من خلال الكثير من نصوصها كيف تُقابل التضحية ونكران الذات بالجحود لتكون النتيجة لاشيئ .
3 . قراء صوفية : اللاشيئ عند المتصوفة هو الفناء من أجل الله سبحانه وتعالى ، دلالة العنوان صوفيًا تعني أكتُب من أجل أن أُفنى وأصير لاشيئ . العنوان مُوجِع بذكاء لاهو حزين مباشر ولا فلسفي ثقيل . المجموعة تألَّفت من 108 صفحة و 49 عنوان ، غياب الحركات الأعرابية عن (بعض النصوص) أضعفَ تماسكها الشعري .
ان العلاقة بين (الأنا) و (الأخر) هي علاقة متينة بِغض النظر عن نوعية وجوهر هذه العلاقة سواء كان (الأخر) فلسفي وجودي او الأخر ثقافي قومي او الأخر الإجتماعي ، عندما يُنَوه عن (الأخر) لايمكن تجاهل التنويه عن (الأنا) والعكس صحيح ، (الأنا والأخر ) وجهان لعملةٍ واحدة فصورة (الأخر) هي إنعكاس لصورة (الأنا) .
إنَّ قِلة (الأنا) في نصوص المجموعة الشعرية تدلُّ على نكران الذات والذوبان في بوتقة (الأخر) أيًّا كان نوعه سواء كان (حبيب او وطن او قضية) ؛ كما إنها تدل على ان الشاعرة بعيدة عن الأنانية والغرور بحيث إستطاعت الأنتقال بالقصيدة من مجرد بوح شخصي الى فضاء إنساني أوسع مدى وأكثر موضوعية . وشاعرتنا من خلال إستحضارها (الأخر) في أغلب نصوصها ماهو إلا دلالة على تواضع (الأنا/ الذات) بحيث إبتعدت عن التمركز حول ذاتها .
في قصيدتها (أنا بينَ بين ص5) تستحضر (الأنا) حيث تقول :
… أنا بينَ بينَ صدى الحقيقةِ والجدل/ أرنو إلى الأفق البعيدِ لعلني/ ألقى جوابًا للسؤال المعتزل .
وفي قصيدة أخرى (غارقةٌ في بياض الورق ص7) تقول : ... حيثُ يرحل الجميع .. ولايبقى سوى " أنا" وظلّي / قررتُ أن أهبَ الخذلان وجهًا جميلاً / أكتبُ من أجلِ لاشيء .
إنَّ إبتعاد بشرى سالم عن الإكثار من (الأنا) ارى إنَّ فيهِ نَزعةٌ تأملية ، لقد جعلت من هذا الإقلال مفتاحًا للأرتقاء إلى مراتب عُليا في التأمل والسمو الروحي ، قِلَّت حضورها في النصوص جعلها تكتب بفضاءٍ أكبر إستطاعت من خلال هذا الفضاء إبعاد شخصنة الحوار الذي يدور بين (الأنا) و (الأخر) من محكمة شخصية الى صور شعرية موضوعية تلامس تجارب الأخرين .
في قصيدتها (لهفة لاتهدأ ص17) تقول :
لم يتغير شيء /مازلتُ أُحبكَ/ بذات الجنون .
وفي قصيدةٍ أخرى (ويعود ص19ن تبرز (الأنا) خفيفة الظل حيث تقول فيها :
كجدولٍ ينساب في قلب الصحراء / يروي عطشي في لهيب الصيف / يزرعُ في روحي ألوان الفرح .
إنَّ تَفَوّق (الأخر) في النص الشعري ماهو إلا دلالة على تفاعل الشاعرة مع مايُحيط بها من منظورها اليومي والحياتي فكتبت عن كل مايقع خارج حدود ذاتها ، هذا التفاعل أعطى نصوصها أبعادًا فنية ونفسية .
في قصيدتها (عبثًا تسافر همساتي ص16) تستحضر الشاعرة (الأخر) بطريقةٍ رائعة حيث تقول :
تبحثُ عن الغد الآتي/ عليكَ كل الفصول/ بكت/ أزهرت/ إخضرَّت/ ولهيبُ صيفك/ والخريفُ أتٍ أتِ .
وفي قصيدة (شوارع النسيان ص23) تستذكر (الأخر ) بألم الغياب ولوعة الفراق ، حيث تقول :
أهداها وعداً بالغياب/ فاستخسرته حتى ذكرى مؤلمة/ فجمعتهُ في أوراق طيشه ومزقتها/ وألقتها باتجاه رحيله .
لقد خلقَت الشاعرة من خلال تَفَوّق( الأخر ) على (الأنا) صراعًا تارةً خفيَّاً ، ومُعلَنًا تارةً أخرى ، هو صراع بين رغبة الذات وبين الواقع ، والذي توَلَّدَ من خلال هذا الصراع أزمة الذات الشاعرة وتوترها الوجداني .
في قصيدتها (ردٌ على عتاب الندى ص9) ، جَسَّدَت الصراع النفسي والوجداني بقصيدةٍ جميلة بالرغم من ملامحها الحزينة ، تقول فيها :
يقولون " عنبر" .. وأقولُ " خنجر"/ يغرسُ في الروح كبراً .. وتيهاً .. وأكثر/ ياسيّد العناد .. أما كفاكَ / قلبٌ إذا تابَ .. في سحرِ اسمك تعثَّر / تطلب الرحيل/ خذ معكَ صوتاً يملأ أركاني/ خذ ملامحك .. وضمة يديّ .. وعطرِ ثيابي وارحل/ فلا جمرٌ في القلبِ يبقى/ ولا شوقٌ إذا استبدَّ بنا تجبَّر/ فما نفعُ قطفٍ لثمارٍ بلا بذر/ ومانفعُ حبٍ في غُصنهِ قد تكسَّر .
من خلال (الأخر) الذي أُترِعَت بهِ النصوص تمكنت الشاعرة من رؤية ذاتِها ، فالشاعر يرى ذاته من خلال مرآة الأخر .
في قصيدتها (بقايا صوت ص41) تقول :
كان الليل في غيابك طويلاً/ طويلاً أكثر مما يجب/ طويتهُ بالصبر / وبقايا صوتك التي لازالت تسكنُ أذني/ طويتهُ بانتظار يرفض الأستسلام .
وفي قصيدة (قتلٌ اخر ص43) يطلُّ علينا الأخر بوجهٍ جاحد ناكراً للحب .
فَعَلَها / أجل فَعَلها وقتلني بطريقةٍ أخرى/ أغلقَ كل أبوابهِ/ وحذفَ كل الكلام/ ومضى بعيداً .
إنَّ دلالات (الأخر) الذي أكثَرت منهُ الشاعرة اراهُ قد أثرى نصوصها وفتحَ أفقًا لتأويلات المتلقي النموذجي ، وذلك من خلال الرمزية والأنفتاح التأويلي ، هي قد لاتقصد بالأخر شخصًا حقيقيًا بل قد يرمز إلى المجهول .
في قصيدتها (في حضرة الياسمين ص49) كتبت نصًا تقول فيه :
ياأمرأةٌمن طينٍ معجونٍ بماءِ اللهفة / كيف للطين ألا يلين أمام سطوة العطر/ رجل الياسمين لايمرُّ عابراً/ إنه يترك في كل زاوية من الروح " ندبة" من بياض ... الخ النص .
وفي قصيدتها (اعتذار لغائبٍ حاضر ص51) يأتي (الأخر) مُترعٌ بالوجدانية تقول فيه :
ليت الأبواب التي أوصدها أبي/ ظلّت مغلقة/ وليت جدران بيتنا ، حين هممتُ بالرحيل/ كانت مُنطقة/ أنا الذي كسرتُ القواعد والحدود/ وصرتُ في محراب عينيكَ صريعةً ومُعلقة ... الخ النص .
يرتبط مفهوم (الأخر) بالحقائق الأجتماعية بمختلف تصوراتها ، وتَفَوّق (الأخر) في النصوص الأدبية يختلف من نصٍ إلى أخر ومن شاعرٍ إلى أخر ، أغلب النصوص في المجموعة تسبح في بحر (الأخر) مما أضفى نوع من الجدية وأعطاها دِفقًا شعريًا جسَّدَ ذات الشاعرة .
_____________

0 تعليقات