حكاية الأيام
بقلم: وجدي نياز الدين أكبر
إنّ حُسن تصرّف الأبوين ينعكس إيجاباً على سلوك الأولاد؛ لأن الأولاد هم أسرار آبائهم، ويحذون حذوهم في مسيرتهم الاجتماعية.
يُذكر أن المرحوم بندر قلندر جاوش كان من أصلاء مدينة طوزخورماتو، ومن أقدم ساكنيها في منطقة كوجوك بازار. وُلد عام 1840م، وتزوج من زهرة موسى حسن عام 1870م.
وبعد عدة أيام من زواجهما، ذهبا إلى السوق لشراء حاجاتهما وما يلزم مسكنهما الجديد، ففوجئا بعائلة كردية تتكون من زوج وزوجة، اسمهما كريم وليلى، وكانا معسرَي الحال، وليس لهما منزل يؤويهما، فكانا يقضيان أوقاتهما في السوق على مدار الساعة.
حزن بندر وزوجته على وضعهما المتردي، فقررا من فورهما أن يصطحباهما إلى بيتهما. وبالفعل فعلا ذلك، وأعطياهما غرفة في منزلهما، فعاش كريم وليلى فيها، وبدأ عطاء الله يظهر في دار بندر جاوش، إذ رزقه الله سبعة أولاد، هم: كوثر، وبايرام، وإبراهيم، وحسن، ومحمود، وأحمد، وجاسم، وابنتين هما: شهربان ورحمة.
يا تربية أولاد بندر جا وش التسعة، وساعداه وزوجته في إدارة شؤون البيت، إذ كانت عوائل طوز، رجالًا ونساءً، آنذاك منهمكة في أعمالها الزراعية.
وبعد مضي أربعين سنة من عِشرة العائلة الكردية في مسكن بندر جاوش، توفيت ليلى، ودُفنت في مقبرة الإمام حسن، بينما واصل كريم معيشته في دار بندر جاوش، إلى أن وافاه الأجل عقب ستين سنة من وجوده في تلك الدار، ودُفن في مقبرة تل حمة بحسب وصيته.
والجدير بالذكر أن بايرام، أحد أبناء بندر جاوش، قد سيق إلى الجيش العثماني لأداء الخدمة الإلزامية بصفة جندرمة «قره عسكر». وخلال الخدمة، تزامل بايرام مع الشاب ابن جاره، المدعو باقر جربة، فقضيا سنوات معًا في أداء الخدمة العسكرية.
وفي ذات ليلة، مرض بايرام وساءت حالته الصحية، فوقف معه ابن جاره البار باقر جربة موقفًا نبيلًا، وأخذ يعتني به عناية شديدة في ديار الغربة، ويخدمه خدمة إنسانية متواصلة، حتى خفّف عنه عبء المرض، ونال الشفاء التام.
عندئذ، وعد بايرام صديقه باقر جربة، تقديرًا لما قدّمه له من إحسان، أن يزوجه أخته رحمة، وكانت حينها طفلة في القماط، لا يتجاوز عمرها بضعة أشهر. وبقي بايرام على عهده إلى أن كبرت رحمة، وقارب عمرها عشرين سنة، فأوفى بوعده وزوجها من صديقه الوفي باقر جربة، الذي كان يكبرها بأكثر من عشرين سنة.
تم زواجهما، ورُزقت رحمة بعشرة أطفال، إلا أن معظمهم توفوا، ولم يبقَ منهم سوى ابنة واحدة وولدين، هم: مسبت، ومحمد، وعلي.
ولم يكن باقر جربة وحيدًا لأهله، بل كان لديه ثلاثة أشقاء، هم: محمد، ومصطفى، وأحمد. وكان الأشقاء الأربعة يمتهنون الفلاحة، ويمتلكون عن آبائهم أراضي زراعية بعشرات الدونمات على طريق بغداد، المتاخمة لقريتي خصة دارلي وكوكوز.
وأود إعلامكم بأن محمد جربة كان الشقيق الأكبر لباقر جربة. وفي أحد الأيام، ذهب ليتفقد مزرعته، فوجد ثلاثة صبيان يجوبون حولها، ويحشّون ما طاب لهم من خضار الأرض، من كعوبها وبنجرها.
فناداهم محمد جربة قائلًا:
— من أنتم؟ وما الذي جاء بكم إلى هنا؟
فقالوا:
— نحن يتامى، نتكسب على أرض الله الواسعة.
ومن فوره انفتحت قريحة محمد جربة، فقال لهم:
— يا أولادي، أنا صاحب خمس بنات، ويعزّ عليّ ألا يكون لي ولد يكون ردءًا لي ويساعدني في جميع أعمالي وأفعالي. فمن منكم يأتي معي لأصطحبه إلى داري، وأجعل له مكانًا في بيتي، ويكون ولدًا لي قلبًا وقالبًا؟
فرضي أحدهم، ولبّى طلب محمد جربة، فركب معه على صهوة مركبه، وأتى به إلى منزله. أطعمه ورحب به كل الترحيب، ثم بدأ الحديث معه قائلًا:
— ألا تعرّفني بنفسك، يا ولدي؟
فأجابه الفتى اليتيم:
— اسمي أحمد رضا، وأنا وحيد أهلي، يتيم الأبوين، قادم من السليمانية. كنت أسكن في منزل ابن عمي، وكان هو معيلي، ينفق عليّ ويكسوني ويطعمني. وعندما يكون في الدار تتيسر أموري ويكون بطني شبعانًا، بينما في غيابه لا ترحمني زوجته، ولا تقدم لي أي لقمة تسد جوعي. ولذلك كنت أتمدد على فراشي منذ المغرب، وأتلوى من الجوع، وأتقلب يمينًا ويسارًا حتى الصباح. بقيت على هذه الحال شهورًا وسنين، ولم أرَ أي تحسن في معيشتي، فقررت أن أترك بلدتي، وأبتعد عن عشيرتي، لعل الله يرزقني من فضله، إنه هو الرزاق ذو القوة المتين. وها أنا بين يديك، وما أريد منك إلا أن تطعمني مما رزقك الله.
حزن محمد جربة على حديث اليتيم حزنًا شديدًا. وفي الوقت نفسه، نادته زوجته، واعترضت على بقاء الفتى في دارها خشية على سمعة بناتها الخمس، قائلة له:
— كيف ترضى أن يسكن فتى غريب بين بناتك طوال الدهر؟ فإن السمعة إذا ضاعت، ضاع معها الإنسان. فعليك أن ترجعه إلى الأرض التي أتيت به منها.
عندئذ تحيّر محمد جربة من كلام زوجته؛ فكيف يعيده إلى مكانه بعدما عاهده أن يجعله ابنًا له قلبًا وقالبًا؟ ففكر مليًا، ثم أتى إلى أخيه باقر جربة، وقصّ عليه قصته، متوسلًا إليه أن يحل مشكلته ويحفظ ماء وجهه؛ لأن من الصعب أن يعاهد الإنسان شخصًا ثم لا يفي بعهده.
في ذلك الوقت، استشار باقر جربة زوجته رحمة بندر قلندر جاوش في مصير الفتى اليتيم، فرضيت ببقائه؛ لأن رحمة سليلة بيت معطاء، فهي ابنة بندر قلندر جاوش الذي آوى العائلة الكردية في داره طوال ستين عامًا لوجه الله تعالى.
وكيف لا ترضى، واسمها رحمة، وهو اسم على مسمّى؟ فقد كانت امرأة فيّاضة بالعطاء، ونبعًا للرأفة والحنان، فاحتضنت الفتى وجعلته واحدًا من أفراد عائلتها.
وكان الفتى يومها في طور الفتوة، يبلغ من العمر نحو ثلاث عشرة أو أربع عشرة سنة، وكان أكبر سنًا من ولديها محمد وعلي. ومن فورها أخذت تهتم به، وتنظر إليه بإنصاف، كما تنظر إلى ولديها، وجعلت منامه معهما، واعتبرته الأخ الثالث لهما.
واشترت له كسوة جديدة، وهيأته للنهوض معهم إلى الفلاحة يوميًا، فأخذ الفتى يعمل مع باقر جربة طوال السنين.
وقد هيأت رحمة للفتى دخلًا منذ اليوم الأول لعمله بصفة أجير، وهو ما يسمى بالتركمانية «كسمت»، وكانت تدخر له أجرته اليومية حتى كبر وبلغ سن الزواج.
وعندما بلغ سن الزواج، أخرجت رحمة النقود التي جمعتها له خلال السنين، وتمكنت من تزويج اليتيم الغريب أحمد من الآنسة رقية بنت قنبر من آل برور، وهي أخت كل من المرحومين مبارك برور وسعيد برور.
كما رهنت للعروسين بيتًا بمبلغ خمسين دينارًا، في الزقاق المقابل لموقع مدرسة الإدريسي حاليًا. أما ما فاض من المبلغ الذي جمعته رحمة، وكان يبلغ عدة روبيات بحسب عملة ذلك الزمان، فقد أعطته للعروسين لتغطية مصروفاتهما اليومية.
وبمرور السنين، رُزق أحمد من زوجته بثلاث بنات، زوّجهن من كل من أحمد منداو، والشقيقين زين العابدين وشكر من آل شناو. كما رُزق بثلاثة أولاد، هم: محمد، وعلي، وحميد.
ولم يفارق أحمد بيت باقر جربة بعد أن كوّن نفسه، بل ظل شريكًا معهم في الفلاحة، حتى بعد وفاة باقر جربة عام 1949م.
ويقول المرحوم علي باقر جربة، الملقب بـ«علي كارخ»:
«تلاقينا ذات يوم، أنا وأحمد، وكلانا على ظهر مركبه. فتمازح معي أحمد بكلمة عربية، ولم تمضِ لحظة حتى سقط أحمد أرضًا من على مركبه. فنزلت لأسعفه، فإذا به قد فارق الحياة، تاركًا أولاده يتامى من بعده. وكانت ابنته الكبرى متزوجة، أما ولده الأخير حميد فكان لا يزال في بطن أمه، إذ كانت حاملًا به حين وفاته».
واستمر محمد وعلي، ولدا باقر جربة، في الشراكة مع أيتام أحمد في الفلاحة، لكي يرزقوا مما آتاهم الله من فضله، وتواصلت العلاقات الطيبة بينهم إلى يومنا هذا، ولا يزالون يعيشون كعائلة واحدة.
وفي الختام، أود أن أبيّن للقارئ العزيز أن أحد أبناء أحمد، المسمى علي عقلة، قد سخّر نفسه لدفن موتى مدينتنا طوزخورماتو حتى وفاته، من دون مقابل، وفي سبيل الله تعالى.
رحمه الله وأحسن مثواه.
هذا، ولكم مني أطيب التحيات، أحبتي الأعزاء.


0 تعليقات