عراق

قشلة كركوك… أثرٌ عثماني يروي ذاكرة المدينة

اعداد نوران ارسلان 

يكاد لا تخلو مدينة أو بلاد من آثارها التاريخية، فهي المرآة التي تعكس ما مرّ به المكان من أحداث وحضارات، وتكشف للأجيال جانبًا من تاريخه العريق.

فتلك الجدران، المشيدة من الطين والماء أو من مواد بناء أخرى، ليست حجارة صامتة، بل تختزن ذاكرة السنين التي مرّت عليها، وتبقى شاهدة على ما مضى من أحداث وتعاقب للحضارات. وكأنها تخبرنا بأنها كانت هنا قبلنا، وشُيدت بأيدي آبائنا وأجدادنا، أو بأيدي من عاصروهم، لتبقى ثابتة في مكانها، تروي الماضي، وتستقبل المستقبل.

ومن بين هذه الآثار تبرز القشلة، ذلك المبنى الذي ارتبط بتاريخ الدولة العثمانية، ولا يزال حاضرًا في عدد من المدن العراقية بوصفه شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخها.

ما هي القشلة؟





القشلة كلمة تركية الأصل، مشتقة من كلمة "Kışla"، وتعني الثكنة العسكرية أو المكان الذي يقيم فيه الجنود، ولا سيما خلال فصل الشتاء. ثم أصبح المصطلح يُطلق على المباني العسكرية والإدارية التي كانت تضم الجنود والضباط، وتُدار منها شؤون الحاميات العثمانية.

وقد تميزت القشلات بتصميمها العملي؛ إذ ضمت ساحات داخلية واسعة، وغرفًا متجاورة، وأروقة، ومخازن، ومرافق خدمية، لتلبي احتياجات الحياة العسكرية والإدارية في آنٍ واحد.

القشلات في العراق

شيدت الدولة العثمانية عددا من القشلات في المدن العراقية المهمة، ومن أشهرها:

  • قشلة بغداد.
  • قشلة الموصل.
  • قشلة زاخو.
  • قشلة كركوك.

ورغم تشابه هذه المباني في أصل التسمية ووظيفتها، فإن لكل قشلة خصوصيتها التاريخية والمعمارية، التي ارتبطت بالمدينة التي أُنشئت فيها.

قشلة كركوك

تقع قشلة كركوك داخل قلعة كركوك التاريخية، وتُعد من أبرز معالمها العمرانية، إذ تمثل شاهدًا حيًا على مرحلة مهمة من تاريخ المدينة خلال العهد العثماني.

شُيدت القشلة سنة 1863م في عهد السلطان العثماني عبد العزيز الأول، لتكون مقرا شتويا للحامية العسكرية العثمانية ومركزا لإدارة شؤونها، وذلك نظراً للأهمية الاستراتيجية التي كانت تتمتع بها مدينة كركوك، بوصفها مركزاً إدارياً وعقدةً للطرق التجارية والعسكرية في شمال العراق.

وتبلغ مساحة القشلة نحو 24,282 مترًا مربعًا، مما جعلها من أكبر المباني التاريخية داخل القلعة، حيث ضمت أماكن لإقامة الجنود والضباط، وغرفًا للإدارة، ومخازن، وساحات للتجمع والتدريب.

ملامحها المعمارية

تمثل قشلة كركوك نموذجاً  مميزاً للعمارة العسكرية العثمانية، التي امتازت بالبساطة والمتانة والوظيفة العملية.

يتوسط المبنى مدخل رئيس واسع يؤدي إلى باحة داخلية كبيرة، تحيط بها الأروقة والغرف الممتدة على طابقين، بينما ترتكز الأقواس على أعمدة حجرية، ويغلب على البناء استخدام الطابوق المحلي والجدران السميكة التي وفرت العزل والحماية من تقلبات المناخ.

ورغم أن المبنى لم يُشيد لأغراض جمالية، فإن تناسق أقواسه وأروقته وساحاته الداخلية أكسبه قيمة معمارية وتراثية مميزة.

شاهد على تحولات كركوك

شهدت القشلة السنوات الأخيرة من الحكم العثماني، ثم واكبت قيام الدولة العراقية الحديثة وما رافقها من تحولات سياسية وإدارية.

ومع انتهاء دورها العسكري، تحولت إلى معلم أثري وثقافي، واستُخدمت بعض مرافقها من قبل دائرة الآثار والتراث، كما احتضنت معارض وأنشطة ثقافية، لتصبح جزءًا من الذاكرة التاريخية لمدينة كركوك.

قشلة كركوك وخطر الإهمال

تعرضت القشلة خلال العقود الأخيرة إلى أضرار نتيجة تقادم الزمن والعوامل المناخية وضعف أعمال الصيانة، مما أدى إلى ظهور تشققات وانهيار أجزاء من المبنى.

وفي عام 2016 انهارت أجزاء من القشلة، الأمر الذي أثار دعوات واسعة للإسراع في ترميمها، كما أشارت تقارير دولية لاحقة إلى ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة للحفاظ على هذا المعلم التاريخي، لما يمثله من قيمة أثرية ومعمارية كبيرة.

ولا تزال القشلة بحاجة إلى مشروع متكامل للترميم وفق المعايير العلمية، بما يحافظ على أصالتها وطابعها العثماني.

بين الترميم والاستثمار الثقافي

لا يقتصر الحفاظ على قشلة كركوك على ترميم جدرانها، بل يتطلب رؤية متكاملة تجعلها مركزًا ثقافيًا وسياحيًا يعكس تاريخ المدينة.

ويمكن أن تضم القشلة متحفاً لتاريخ كركوك، وقاعات للوثائق والصور القديمة، وأجنحة للحرف والأزياء الشعبية، إضافة إلى فضاءات للمعارض الفنية والندوات الثقافية، بما يجعلها منارة حضارية تستقطب الباحثين والزائرين.

خاتمة

وما زلنا، من هنا، نناشد الحكومتين المحلية والمركزية أن توليا هذا الأثر التاريخي العريق ما يستحقه من اهتمام ورعاية، وأن تعملا على صيانته والحفاظ على ملامحه الأصيلة، بوصفه جزءًا من ذاكرة كركوك وهويتها الحضارية.

كما نأمل أن تتحول القشلة إلى منارة ثقافية تحتضن تاريخ المدينة، وتحاكي مكوناتها الأصيلة، وتروي لزائريها محطاتها التاريخية عبر الوثائق والصور والمقتنيات الموثقة، لتبقى شاهدا حيا على عراقة الماضي، وجسرا يصل الأجيال بتاريخ مدينتهم.

فالحفاظ على قشلة كركوك ليس حفاظا ا على جدران قديمة فحسب، بل هو حفاظ على ذاكرة مدينة عريقة، وعلى صفحة من تاريخ العراق ينبغي ألا تطويها يد الإهمال أو يمحوها مرور الزمن.

المصادر المعتمدة:

  • الهيئة العامة للآثار والتراث العراقية.
  • دراسات عن العمارة العثمانية في العراق.
  • تقارير بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق (UNAMI) المتعلقة بحماية التراث في كركوك.
  • كتابات عدد من الباحثين في تاريخ كركوك والعمارة العثمانية..

إرسال تعليق

0 تعليقات