عراق

حين تُباع المكتبة... يُباع جزءٌ من الروح

"حكاية مؤلمة عن الفقر، وعشق الكتب، والثمن الذي قد يدفعه الإنسان ليحافظ على كرامته."




بقلم كامل الدليمي
هَلْ تُصَدِّقُونَ أَنَّنِي بِعْتُ نَفْسِي مَرَّةً بِمِئَةٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا فَقَط؟
كُنْتُ شَرِهًا جِدًّا لِقِرَاءَةِ الكُتُبِ، وَكُنْتُ أَقْتَنِي أَثْمَنَهَا. وَكَانَتْ أَجْمَلُ لَحَظَاتِ عُمْرِي تَنَقُّلِي بَيْنَ بَائِعِي الكُتُبِ فِي شَوَارِعِ المُتَنَبِّي. هُنَاكَ لَحَظَاتٌ لَا أَنْسَاهَا أَبَدًا، حِينَ كُنْتُ أَحْصُلُ عَلَى كِتَابٍ نَادِرٍ.
لَا أَنْسَى فَرَحِي يَوْمَ حَصَلْتُ عَلَى المُجَمُوعَةِ الكَامِلَةِ لِنِزَارِ قَبَّانِي. مَا أَرْوَعَ كَلِمَاتِ العِشْقِ الَّتِي كَانَ يَنْسُجُهَا، وَمَا أَحْوَجَنِي إِلَيْهَا فِي تِلْكَ الفَتْرَةِ مِنْ حَيَاتِي.
وَلَكِنَّ فَرْحَتِي بِتِلْكَ الكُتُبِ لَمْ تَكْتَمِلْ؛ فَطُوفَانُ الفَقْرِ وَالحَاجَةِ أَقْوَى مِنْ أَنْ تَقِفَ أَمَامَهُ أَحْلَامُ الفُقَرَاءِ وَتَعَلُّقُهُمْ بِمَا يُحِبُّونَ.
احْتَجْتُ إِلَى مَبْلَغِ مِئَةٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا كُنْتُ قَدِ اسْتَقْرَضْتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ أَمَامِي حَلٌّ سِوَى بَيْعِ كُتُبِي.
كَمْ هُوَ مُؤْلِمٌ أَنْ يَبِيعَ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ مِنْ عَوَزِ الحَيَاةِ... مُؤْلِمٌ جِدًّا.
فَدُرُوسُ الحَيَاةِ تَجْعَلُكَ تَجِدُ الأَعْذَارَ حَتَّى لِلْغَانِيَةِ حِينَ تَبِيعُ جَسَدَهَا.
كَمْ هُوَ مُؤْلِمٌ أَنْ تَبِيعَ كُتُبَكَ وَأَوْرَاقَكَ، وَأَنْتَ تَعِيشُ بَيْنَ حُرُوفِهَا، وَيَذُوبُ جَسَدُكَ بَيْنَ سُطُورِهَا.
فِي ذَلِكَ الوَقْتِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِنْتَرْنِتٌ وَلَا "جُوجِل". كَانَتِ الوَسِيلَةُ الوَحِيدَةُ لِلْمُطَالَعَةِ هِيَ السَّفَرُ وَشِرَاءُ الكُتُبِ، إِنْ وُجِدَتْ، أَوِ البَحْثُ عَنْهَا بِمَشَقَّةٍ.
حَمَلْتُ شَوَالَ كُتُبِي وَذَهَبْتُ إِلَى سُوقِ البَابِ الشَّرْقِيِّ. وَجَدْتُ مُشْتَرِيًا، فَعَرَضْتُهَا عَلَيْهِ.
قُلْتُ: — سَيِّدِي، بِكَمْ سَتَشْتَرِيهَا؟
قَالَ: — سَأَدْفَعُ لَكَ بِالكِيلُو دِينَارًا وَنِصْفًا.
صَعَقَتْنِي كَلِمَاتُهُ.
مَاذَا يَعْنِي أَنْ تُبَاعَ الثَّقَافَةُ وَالأَدَبُ وَالعِلْمُ بِالكِيلُوغْرَامِ؟!
كَلِمَاتٌ لَا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ، تُوزَنُ كَمَا يُوزَنُ البِطِّيخُ وَالطَّمَاطِمُ وَالخُضَارُ!
مِسْكِينٌ أَنْتَ يَا مُنْفَلُوطِي... مِسْكِينٌ أَنْتَ يَا سَيَّاب... مِسْكِينٌ أَنْتَ يَا دُوسْتُويِفْسْكِي... مِسْكِينَ أَنْتِ يَا رَجَاءُ النَّقَّاش... وَيَا جُبْرَانُ... حُرُوفُكُمْ تُبَاعُ بِالكِيلُو!
انْتَبَهْتُ فَرَأَيْتُهُ يَزِنُ كَمِّيَّةً مِنَ الكُتُبِ بِاللُّغَاتِ الأَجْنَبِيَّةِ، وَيَضَعُ مُقَابِلَهَا أَوْزَانًا حَدِيدِيَّةً صَدِئَةً.
قُلْتُ لَهُ: — كَيْفَ تَشْتَرُونَ تِلْكَ الدُّرَرَ بِالكِيلُو؟ وَمَاذَا تَفْعَلُونَ بِهَا؟
قَالَ: — نُغَلِّفُ بِهَا بَعْضَ أَنْوَاعِ الحَلَوِيَّاتِ، أَوْ نَصْنَعُ مِنْهَا أَقْمَاعًا لِبَيْعِ المُكَسَّرَاتِ وَحَبِّ التَّسْلِيَةِ.
غَضِبْتُ، وَقُلْتُ لَهُ: — لَنْ أَبِيعَهَا لِشَخْصٍ لَا يَعْرِفُ قِيمَتَهَا، وَلَا يَعْرِفُ ماجدولين، وَلَا في سبيل التاج، وَلَا مُعَانَاةَ اللقيطة، وَلَا يَهُمُّهُ مَا كَتَبَهُ جُبْرَانُ، وَالسَّيَّابُ، وَالمُتَنَبِّي.
حَمَلْتُهَا وَابْتَعَدْتُ.
وَكَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ يَتَجَاوَزُ الخَمْسِينَ مِنْ عُمْرِهِ، يُرَاقِبُنِي مِنْ خَلْفِ نَظَّارَتِهِ سَمِيكَةِ الزُّجَاجِ.
تَبِعَنِي، وَقَالَ: — أَنَا أَشْتَرِيهَا مِنْكَ.
كَانَ مُثَقَّفًا، وَيَعْرِفُ قِيمَتَهَا؛ فَقَدْ بَدَأَ يَعْزِلُ الكُتُبَ النَّادِرَةَ وَالثَّمِينَةَ. واول ما مد يده اخذ رواية الاخوه كرامازوف لدستيوفسكي واخذ يقلبها
قُلْتُ: — بِكَمْ تُرِيدُهَا؟
قَالَ: — بَلْ بِكَمْ تَبِيعُهَا أَنْتَ؟
قُلْتُ: — عَلَيَّ دَيْنٌ قَدْرُهُ مِئَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا... خُذْهَا بِهَذَا الثَّمَنِ.
فَرِحَ كَثِيرًا، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ المَبْلَغَ كَانَ كَبِيرًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ.
حِينَ رَوَيْتُ لَهُ مُعَانَاتِي، تَلَاشَى بَعْضُ أَلَمِي؛ لِأَنَّنِي شَعَرْتُ أَنَّ كُتُبِي ذَهَبَتْ إِلَى إِنْسَانٍ يَعْرِفُ قِيمَتَهَا، وَيُدْرِكُ مَا تَعْنِيهِ تِلْكَ الحُرُوفُ.
حَمَلْتُ المَبْلَغَ... وَكَانَ الأَلَمُ يَعْصِرُ دَاخِلِي، وَكَأَنَّنِي بِعْتُ نَفْسِي مَعَ تِلْكَ الكُتُبِ... وَمَعَ تِلْكَ السُّطُورِ.
... مُجَرَّدُ خَرْبَشَاتِ قَلَمٍ ...


إرسال تعليق

0 تعليقات