ليس الفساد مجرد جريمة مالية ترتكب في الخفاء بل هو اعتداء صريح على مستقبل الأوطان، وسرقة لحقوق الأجيال وإهدار لقوت المواطنين الذين ينتظرون خدمات تليق بكرامتهم وما إن تتغلغل شبكات الفساد في مؤسسات الدولة حتى تبدأ التنمية بالتراجع وتستنزف الموارد، وتتآكل الثقة بين المواطن ومؤسساته.
ولأن الفساد لا يعيش منفردا، فإنه يصنع لنفسه منظومات من المصالح والنفوذ، حتى يبدو كحوت ضخم يبتلع المال العام ويزداد قوة كلما تأخر الحساب. لذلك لم يكن وصف "حيتان الفساد" مجرد تعبير إعلامي، بل توصيفا لواقع تتشابك فيه المصالح وتتسع فيه دائرة المستفيدين على حساب الوطن.
إن العراق بما يمتلكه من ثروات طبيعية وبشرية لا يعاني من فقر الإمكانات، بل عانى طويلاً من استنزافها. فكم من مشروع توقف قبل أن يرى النور؟ وكم من مدرسة أو مستشفى أو طريق كان يمكن أن يُنجز لو أن المال العام بقي في مساره الصحيح؟
واليوم ومع تصاعد الجهود الرسمية لملاحقة الفساد وتعزيز سيادة القانون، يترقب العراقيون أن تتحول هذه الخطوات إلى نهجٍ راسخ، لا إلى حملات موسمية. فالمواطن لا يبحث عن استعراضات إعلامية، بل عن نتائج ملموسة تعيد الأموال المنهوبة، وتحاسب كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون، وتغلق الأبواب التي يتسلل منها الفساد.
إن معركة النزاهة ليست مسؤولية الأجهزة الرقابية وحدها، بل تبدأ من ضمير الموظف، ووعي المواطن، ودور الإعلام الحر، ومساندة المجتمع لكل خطوةٍ قانونية تستهدف حماية المال العام. فحين يصبح الفساد مرفوضاً اجتماعياً كما هو مجرم قانونا ، تضيق المساحة أمام الفاسدين مهما بلغ نفوذهم.
سيبقى العراق أكبر من حيتان الفساد، لأن الأوطان لا تقاس بمن يحاول نهبها، بل بمن يصر على حمايتها. وما دام القانون حاضراً والإرادة الوطنية صادقة، فإن المال العام سيظل أمانة يجب صونها، وستبقى العدالة الأمل الذي ينتظره كل عراقي يتطلع إلى وطنٍ مزدهر، تُصان فيه الحقوق، وتُحفظ فيه الثروات، ويكون فيه القانون فوق الجميع.

0 تعليقات