عراق

المطاحن القديمة في طوز خورماتو.. حين كانت الحبوب تُطحن على وقع الماء والأغاني التراثية



بقلم :- وجدي نيازالدين أكبر 
الأغنية التركمانية التراثية التي مطلعها (هاي هاوار ده گرمانچي) كانت تجسد الحياة المعيشية في الماضي السحيق في عموم مناطق توركمن ايلي اذ كان التسوق بالمقايضة أي بتبادل السلع في الأغنية يخاطب صاحب القافلة صاحب المطحنة معرفا نفسه قائلا(سه ن خانچي مه ن كروانچي) أنت صاحب الخان وأنا صاحب القافلة مبتغيا منه (آرباني ويرره م سه نه بغداني دارت منمچين) أعطيك الشعير بمقداره تطحن لي الحنطة من هذه الأغنية أستنبط أن معيشة الانسان كانت مقسمة الى قسمين اما أن يكون صاحب القافلة وهو مالك على عدد من حيوانات الحمل والركوب بمختلف أنواعها لأجل نقل البضاعة أو يكون صاحب مطحنة والمطحنة كانت تنصب على نهر ماؤه وفير وقوي تداربقوة الماء أجزائها تدهن جراء دورانها بالماء ، أقدم مطحنة قبل قرنين من الزمن في طوز خورماتو تعود ملكيتها الى (جليل آغا) هو والد قنبر آغا الكبير والجد الثالث ل(زين العابدين آغا) الذي نصب برلمانيا ابان العهد الملكي عام 1954م (زين العابدين آغا - قنبر آغا – حسين آغا –قنبر آغا – جليل آغا) ، جليل آغا امتلك مطحنة عقب تقاعده من منصبه بصفة آغا من الدولة العثمانية في مدينتنا طوز خورماتو يذكر انه كان صارما في فرض ارادته على مدينته طوزخورماتو ومحافظا على حياضها وسمعتها يقال ذات يوم اشتكى أهل المدينة من يد فتى عشريني كان يتمتع بالجمال الخارق وهو مغني ذو صوت رخيم يدعى ب(عشير) يمارس فنه في محيط نهر ينصف مدينتنا طوز خورماتو (بويوك آرخ) المكتض على مدار الساعة بالنساء التركمانيات الأصيلات بمختلف الفئات العمرية اللواتي كانت تقضين حوائجهن على ضفاف النهر من غسل الأواني والملابس والأفرشة وكذلك نقلهن الماء على كتوفهن ب(جرة) الى بيوتهن وخزنهن في الحبوب الخزفية للشرب والطعام وللاستحمام بمجرد طرب الشاب الأغاني العاطفية أخذت قلوب الفتيات تميل شغفا نحو أناقة وجمال الولد الوسيم ولصوته الرخيم ولألحانه العذبة حينئذ ذاع صيت الفتى واضطر الناس أن يوصلوا خبر الطرب الى (جليل آغا) وبدوره فرض غرامة مالية ثقيلة لاتطاق أرغمت عائلة العشير الى بيع كل ممتلكاتهم حتى أفرشتهم لتسديد الضريبة التي فرضت عليهم ، لما أحيل جليل آغا للتقاعد حل محله مصطفى آغا الذي سكناه كان في محلة كوچك بازار يقابله مطحنة جليل آغا ، المطحنة كانت تراجعها النساء تعتبر ضمن واجباتهن تراهن يقفن بطابور الواحدة تلو الأخرى وكل واحدة بيدها حبوبها تنتظر ساعات لطحنها والدليل هو جواب صاحب المطحنة (أولماز خاتنيم أولماز صاواجاغا صو گلمه ز) عذرا ياخاتون لم يصل الماء الى المطحنة ولا يصلك دورك لتطحنين حبوبك ، اذا تأملنا الى مقاطع الأغنية نجد فيها نوعا من الغزل أو التغازل بالمناداة بين الطرفين (صاحب المطحنة والمرأة الجميلة التي تقابله) ، في المقطع الأول تنادي المرأة لربما هي في دور الفتاة (هاي هاوار ده گرمانچي سه ن خانچي مه ن كروانچي آرباني ويرره م سه نه بغداني دارت منمچين) مفادها ياصاحب المطحنة أعطيك الشعير يقابله تطحن لي الحنطة لم يرض صاحب المطحنة بهذا الشرط ولعله هو أيضا في دورالفتى قائلا (أولماز خاتنيم أولماز صاواجاغا صو گلمه ز ده ني قالدير دوش يولا سه نه ده سرا گلمه ز) يعني لا ياخاتون من المحال أن يصل الماء الى المطحنة ويأتي دورك أنصحك أن تأخذين حبوبك وتسيرين الى مأمنك ، في المقطع الثاني تنادي الفتاة بصيغة طمع قائلة (هاي هاوار ده گرمانچي سه ن خانچي مه ن كروانچي قولباغيم ويرره م سه نه بغداني دارت منمچين) مؤداها أعطيك أسواري لتطحن حبوبي كذلك صاحب المطحنة أبى هذا الشرط قائلا كالسياق الأول (أولماز خاتنيم أولماز صاواجاغه صو گلمه ز ) ، لاياخاتون كذلك لايصل الماء الى المطحنة ولا يصل دورك ، في المقطع الثالث والأخير جادت الفتاة بكلتا عينيها الى صاحب المطحنة لقاء أن يطحن لها الحنطة قائلة (هاي هاور ده گرمانچي سه ن خانچي مه ن كروانچي گوزله ريم ويرره م سه نه بغداني دارت منمچين) يعني أهديك عيوني مقابل أن تطحن لي الحنطة ، رضي صاحب المطحنة بالشرط الأخير قائلا (أولدي خاتنيم أولدي صاواجاغا صو گلدي ده ني قالدير گه ل به ري صا واجاغا صو گلدي) نعم ياخاتون لقد وصل الماء الى المطحنة فأتى دورك عليك أن تتقربين أمامي لأطحن حنطتك ، تواصلت مطحنة جليل آغا عملها الدؤوب الى مساء ذلك اليوم الذي حصل شجارا قويا بين النساء بشأن أدوارهن فتعالت أصواتهن وأدت ايقاظ مصطفى آغا من نومه العميق فاستاء مصطفى من هذا الضوضاء فأمر لغلمانه على تهجير المطحنة وسدها بالتمام نعم ألغيت المطحنة ووصل الخبر الى جليل آغا مايخص بمطحنته رضى بالأمر قائلا هكذا الدنيا يوم لك ويوم عليك ولكل زمان رجاله ، يروق لي أن ألقي الضوء على شخصية مصطفى آغا انه حضي على اسم محلة يكون باسمه في مدينتنا طوز خورماتو منذ حياته الى يومنا هذا لمصطفى آغا ولده الوحيد (حسن) الذي تزوج من فتاة اسمها (ماهية) هي أخت أمين قاضي فخلف منها ولدان وبنتان الولد الأكبر كان يسمى (ده للي خورشيد) الذي اغتال ضابطا في الجيش العثماني بسبب الخلاف الذي وقع بينهما ، أما البنتان هما حمدية أم سائق عللو ويسه أم سيد فرج من سادة منناصر ، ولده الآخر حسين الذي كان ينادى باسم أمه (حسين ماهية) وهو والد كل من:- جلبي ، عابدين ، فاضل اللاعب (فاضا) ، ولي ، قبل أن أختم مقالتي أود أن أبين لأ حبتي قراء منشوراتي ان أكثر مالكي المطاحن هم أنفسهم أصحاب الخانات مبينا بمناشدة صاحب المطحنة (سه ن خانچي) ومن الخانات التي كانت تتواجد فيها المطاحن هو خان قنبر آغا الذي كان يطل على النهر قريب من جامع الرسول الأعظم مطحنته كانت تعمل بالنفط الأسود ألغي الخان وبويعت المطحنة في ثمانينات القرن الماضي وتحولت البناية الى محلات تجارية باشراف حفيده جودت آغا رحمه الله تعالى كذلك خان محمد فتاح نفطجي الذي كان فيه مطحنة ضئل العمل فیها بعد سقوط بغداد عام 2003م أما المطاحن التي كانت تعمل أيام النظام السابق مطحنة في منطقة الجمهورية ومطحنة آل جاير في وسط السوق ومطحنة حسن كيفة التى كانت مقابل مرطبات هجوب ، أكتفي بهذا القدر من معلومات حول المطاحن في هذه الحلقة ان شاءالله الحلقة التالية ستكون معلومات وافية عن الخانات لأن اذا تواصلت الكتابة عن الخانات لطال المقال ولأصاب المتلقي بالملل ولذلك اضطررت أن أخص هذه الحلقة حول المطاحن هذا ولكم تحياتي أحبتي الأعزاء

إرسال تعليق

0 تعليقات