بقلم كامل الدليمي
كُنْتُ في حَفْلَةِ تَخَرُّجٍ في كَرْكوك، في إِحْدَى القاعاتِ. فَتَياتٌ بِثِيابٍ بَرَّاقَةٍ، وموسيقى صاخِبَةٍ، وعَدَساتُ عُيونٍ تُغَيِّرُ كُلَّ حَقائِقِ ما وَهَبَ اللهُ لَنا مِن أَلْوانٍ. عَرْضُ أَزْياءٍ، ووُجوهٌ صُبِغَتْ بِأَلْوانٍ غَريبَةٍ.
تَذَكَّرْتُ حينها فَتاةً ريفيَّةً، كُنْتُ قد التَقَيْتُها أَثْناءَ خِفارَتي في الرَّدْهَةِ، وكانت تُرافِقُ والدتَها عِنْدَ دُخولِها المُسْتَشْفَى.
قارَنْتُ بَيْنَ تِلْكَ الفَتاةِ القَرَوِيَّةِ الأُمِّيَّةِ الَّتي لا تَعْرِفُ القِراءَةَ، وبَيْنَ الفَتَياتِ اللَّواتي كُنَّ يَتَراقَصْنَ حَوْلي.
فَتاةٌ لا تَعْرِفُ مِنَ الدُّنْيا سِوى بَقَراتِهِمْ وسَواقي رَيِّ بَساتينِهِمْ، لا تَكادُ تَعْرِفُ القِراءَةَ والكِتابَةَ. سَذاجَةٌ وطِيبَةٌ، وكَأَنَّها وَرَقَةٌ بَيْضاءُ لَمْ تُشَوِّهْها خُطوطُ الزَّمَنِ.
أَثْناءَ حَديثِنا أَرادَتْ أَنْ تُقْسِمَ، فَأَخَذَتْ قِطْعَةً مِنَ الخُبْزِ كانَتْ على الطَّاوِلَةِ بِجانِبِها، وَضَعَتْ يَدَها عَلَيْها وأَقْسَمَتْ بِها.
ورَأَيْتُها عِنْدَما خَرَجَ أَخوها بَعْدَ انْتِهاءِ الزِّيارَةِ لِلْمَريضِ، سَكَبَتْ خَلْفَهُ الماءَ «لِيَحْفَظَهُ اللهُ مِنْ كُلِّ مَكْروهٍ».
وفي إِحْدَى المَرَّاتِ دَخَلْتُ غُرْفَتَهُمْ لِأُعْطِيَهُمُ العِلاجَ، فَوَجَدْتُها تَرْبِطُ في يَدِ أُمِّها قِطْعَةَ قُماشٍ خَضْراءَ.
قُلْتُ لَها: — ما هذِهِ؟
قالَتْ: — هذِهِ شارَةُ سَيِّدِ إِبْراهيمَ لِيَحْفَظَ أُمِّي مِنْ كُلِّ مَكْروهٍ.
ابْتَسَمْتُ في داخِلي. سَذاجَةٌ وبَراءَةٌ كانَتْ تَحْمِلُها تِلْكَ الفَتاةُ البَريئَةُ، نَقاءٌ وعَفْوِيَّةٌ، كَأَنَّها أَرْضٌ مُنْذُ خَلَقَها اللهُ لَمْ تَطَأْها قَدَمُ إِنْسانٍ.
كانَتْ تَرْتَدي ثِيابًا بِذَوْقٍ ريفِيٍّ حَتَّى النُّخاعِ، فُسْتانًا كُلُّ وَرْدَةٍ حَمْراءَ فيهِ بِحَجْمِ رُبْعِ ذَلِكَ الثَّوْبِ.
تَذَكَّرْتُها وأنا أَنْظُرُ إِلَى الفَتَياتِ في تِلْكَ الحَفْلَةِ وَهُنَّ يَتَراقَصْنَ على أَنْغامِ ذَلِكَ الضَّجيجِ الَّذي يُسَمُّونَهُ موسيقى، وَتَتَراقَصُ الأَضْواءُ السَّاطِعَةُ على إِيقاعِهِ.
بَحَثْتُ في ذاكِرَتي عَنْ تِلْكَ الفَتاةِ، وكُنْتُ أُريدُ أَنْ أَقولَ لَها:
يا مَنْ كُنْتِ تَحْلِفينَ بِكِسْرَةِ الخُبْزِ كَأَنَّها القَسَمُ العَظيمُ الَّذي لا يُمْكِنُ الحِنْثُ بِهِ...
يا مَنْ كانَتْ تَسْكُبُ الماءَ عِنْدَ خُروجِ مَنْ تُحِبُّهُمْ، وكُلُّ يَقينِها أَنَّ تِلْكَ القَطَراتِ صِمامُ أَمانٍ مِنْ نَوَباتِ القَدَرِ...
أَتَعْلَمينَ؟
وأَنا أَرَى بَشاعَةَ هذَا الزَّمَنِ، أَبْحَثُ عَنْ سَذاجَتِكُمْ، عَنْ عَفْوِيَّتِكُمْ وبَساطَتِكُمْ. حَتَّى صِرْتُ أَبْحَثُ عَنْ أَخْطائِكُمُ البَريئَةِ عِنْدَما كُنْتُمْ تَعْتَقِدونَ أَنَّ قِمَّةَ التَّقْوى مَوْجودَةٌ في قِطْعَةِ قُماشٍ خَضْراءَ تُرْبَطُ في المِعْصَمِ.
أَبْحَثُ عَنْ سَذاجَتِكُمْ، أَبْحَثُ عَنْ تِلْكَ المَلائِكَةِ الَّتي كانَتْ تُرافِقُكُمْ في زِحامِ الشَّياطينِ الَّذينَ مَلَؤُوا الأَرْضَ.
... مُجَرَّدُ خَرْبَشاتِ قَلَمٍ.

0 تعليقات