مع بداية كل عام، تمتلئ الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي بالمنجمين والمنجمات الذين يتسابقون لإطلاق التوقعات والتنبؤات للأفراد والدول والعالم. وما إن تُبث هذه التوقعات حتى تتحول إلى مادة يومية يتداولها الناس بشغف، بين مصدّق ومشكك ومتردد.
المثير للاهتمام أن كثيرًا من المتابعين يعلنون أنهم لا يؤمنون بالتنجيم، لكنهم في الوقت ذاته يحرصون على متابعة ما يقوله المنجمون. فكيف يمكن تفسير هذه الظاهرة؟
يرى علماء النفس أن الإنسان بطبيعته يميل إلى البحث عن اليقين، خاصة في أوقات القلق والأزمات. وعندما تتزايد التحديات الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية، يصبح المستقبل غامضاً ومثيراً للخوف. وهنا يجد البعض في التوقعات نوعاً من الطمأنينة المؤقتة، حتى وإن لم تكن قائمة على أسس علمية.
كما تلعب وسائل الإعلام دوراً كبيراً في تعزيز هذه الظاهرة. فكلما تحققت مصادفةً إحدى التوقعات، أعيد نشرها آلاف المرات، بينما تُنسى عشرات التوقعات الأخرى التي لم تتحقق. وهكذا يتكون لدى الجمهور انطباع بأن المنجم يمتلك قدرة استثنائية على معرفة المستقبل.
وتسهم منصات التواصل الاجتماعي في انتشار هذه الثقافة بصورة غير مسبوقة، إذ أصبح بإمكان أي شخص أن يقدم نفسه بوصفه خبيراً في الأبراج والتوقعات، وأن يصل إلى ملايين المتابعين خلال فترة قصيرة. ومع كثرة المحتوى المتداول، يصعب أحياناً التمييز بين المعلومة الموثوقة والادعاء غير المدعوم بالأدلة.
ولا يقتصر أثر هذه الظاهرة على الفضول فحسب، بل قد ينعكس على الحالة النفسية لبعض الأشخاص. فالتوقعات السلبية المتعلقة بالحروب أو الأمراض أو الخسائر قد تزرع الخوف والقلق في النفوس، وتجعل البعض يعيش حالة من الترقب المستمر لحدث قد لا يقع أصلًا.
إن المشكلة لا تكمن في الفضول الإنساني لمعرفة المستقبل، فهذا فضول قديم رافق البشرية منذ آلاف السنين، وإنما تكمن في تحويل التوقعات إلى حقائق مسلّم بها تؤثر في القرارات والمشاعر والسلوكيات اليومية.
ويبقى المستقبل صفحة لم تُكتب بعد، تصنعها أفعال الإنسان وخياراته أكثر مما تصنعها التنبؤات. أما الوعي النقدي، فهو السلاح الأهم الذي يساعدنا على التمييز بين ما هو حقيقة وما هو مجرد احتمال أو مصادفة.

0 تعليقات