بقلم: نوران أرسلان – وكالة صدى الثقافية
لا يرسم الفنان التشكيلي الشاب أكرم محمد السراي كي يملأ فراغا لونياً على سطحٍ أبيض، بل يرسم ليترك أثراً يشبه اللمسة الإنسانية: هادئة، صادقة، وممتدة بعد انتهاء النظر. في أعماله، يبدو الإنسان محوراً ثابتاً، ليس بوصفه هيئةً مرسومة، بل بوصفه حكايةً كاملة تُروى بالصمت والضوء.
في إحدى لوحاته، تمضي امرأة في سوقٍ قديم وهي تحمل على رأسها ثقلاً واضحاً، وفي يدها دلوٌ صغير؛ مشهد يومي، لكنه يتحول في رسمه إلى رمزٍ مكثف: الإنسان حين يمشي مثقلا ولا يتوقف. الملامح هنا لا تصرخ، واللوحة لا تستجدي التعاطف، بل تمنح المتلقي إحساسا يسبق الفهم، وكأنها تقول: اقترب… ثم اشعر.
يميل السراي إلى الضوء الخافت الذي لا يشرح كل شيء؛ ضوءٌ جانبي يترك للظل حقه في الوجود. هذا الاختيار لا يبدو تقنيا فحسب، بل هو موقف جمالي وفلسفي: أن بعض التفاصيل تُلمح ولا تُقال. لذلك تتوزع أعماله بين مساحات دافئة وأخرى معتمة، وبين لونٍ ترابي يذكّر بالمكان العراقي، ودرجات رمادية/زرقاء تمنح الشخوص وقارا حزينا، لا انهيارا.
وفي بورتريه الرجل المسن، يختبر الفنان الصدق من بابٍ آخر: الزمن على الوجه. لا يحاول تنعيم الملامح أو تجميلها، بل يترك أثر السنوات ظاهراً بفرشاة حنونة. عينان ممتلئتان بالتجربة، وهدوءٌ يشبه الاستسلام الحكيم، لا الضعف. وفي
لوحة الرجل مع الكلب، تظهر “الرفقة” كعزاء بصري: حضور بسيط يواجه قسوة العالم بلا كلمات.
لا يكتفي السراي بالمشهد الإنساني وحده؛ إذ يذهب أحياناً إلى الخيل كرمز للحركة والحرية، وإلى الطبيعة بوصفها استراحة داخلية وذاكرة مكان. كما تكشف أعماله الأكاديمية في الرسم (دراسة النحت) عن أساس متين في البناء والظل والكتلة، وهو ما يجعل اختياراته التعبيرية أكثر تماسكاً، وأكثر قدرة على حمل المعنى دون أن تتهدم تقنياً.
تبدو تجربة أكرم محمد السراي وكأنها تتشكل على مهل، لكنها تمضي بثبات. فهنا فنان يراهن على الصدق، ويجعل من اللوحة مساحة لالتقاط الإنسان كما هو: بضعفه، بكرامته، وبذاكرته التي لا تنتهي.




0 تعليقات