عراق

اللمسات النفسية والعلاجية ونموذج العلاج النفسي الوجودي في سورة السجدة

 



د. ايوب عبد الحميد

------------------------


العلاج النفسي الوجودي هو مدرسة علاجية تركز على مواجهة الإنسان للقلق الوجودي الناتج عن حقائق الحياة الكبرى: الموت، الحرية، العزلة، والبحث عن المعنى. سورة السجدة تقدم نموذجاً متكاملاً للتعامل مع هذه القضايا الوجودية بمنظور إيماني عميق.


أولاً: مواجهة قلق الموت (الموت كحافز للحياة)

----------------------------------

في العلاج الوجودي، مواجهة حقيقة الموت تساعد الإنسان على عيش حياة أكثر أصالة.


التطبيق في السورة: "قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ" (السجدة: ١١)

 "ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ" (عبس: ٢١-٢٢) - وإن كانت من سورة أخرى، لكن سياق البعث في السجدة يكمله.


اللمسة العلاجية: السورة لا تقدم الموت كفناء مطلق (عدم)، بل كمرحلة انتقالية. هذا يحول الخوف المرضي من الموت إلى وعي محفز للحياة المنتجة. عندما يدرك الإنسان أن الموت ليس نهاية، يتحرر من القلق الوجودي المدمر.


ثانياً: الحرية والمسؤولية (الاختيار الوجودي)

--------------------------------

العلاج الوجودي يؤكد أن الإنسان حر مسؤول، وأن وعيه بهذه الحرية قد يسبب قلقاً.


التطبيق في السورة: "وَلَوْ نِشَاء لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" (السجدة: ١٣)


اللمسة العلاجية: الآية تؤكد أن الله قادر على جبروت الإجبار، لكنه يختار رحمة الاختيار. هذا يضع الإنسان أمام مسؤوليته الوجودية: أنت من تختار طريقك. العلاج النفسي هنا يتم عبر تحرير الإنسان من شعوره بأنه ضحية للظروف، وإعادته لبؤرة التحكم الداخلية (Internal Locus of Control).


ثالثاً: العزلة الوجودية والاتصال بالمتسامي

------------------------------

العلاج الوجودي يعترف بشعور الإنسان بالعزلة النهائية، ويبحث عن طرق للاتصال الحقيقي.


التطبيق في السورة: "تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا" (السجدة: ١٦)


اللمسة العلاجية: في لحظة العزلة الليلية (تجافي الجنوب عن المضاجع)، يكون الإنسان في أعمق حالات وحدته الوجودية. لكن السورة تقدم علاجاً لهذه العزلة عبر "دعاء الرب". الاتصال بالله (المتعالي) يحول العزلة المرضية إلى خلوة روحية منتجة. إنها معالجة للاغتراب الوجودي عبر إقامة علاقة مع الخالق المقتدر اللامتناهي.


رابعاً: البحث عن المعنى (Logo therapy)

---------------------------------

فيكتور فرانكل يؤكد أن دافع الإنسان الأساسي هو البحث عن معنى للحياة.

التطبيق في السورة: "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ" (السجدة: ٧-٩)

اللمسة العلاجية: السورة تقدم سردية وجودية متكاملة: من أين جئت؟ (الطين)، كيف تطورت؟ (الماء المهين)، ما قيمتك؟ (نفخ الروح)، وإلى أين المصير؟ (الرجوع لله). هذه السردية تعطي الإنسان إحساساً بالمعنى والانتماء الكوني، وتعالج الفراغ الوجودي (Existential Vacuum) الذي يعاني منه الكثيرون.


خامساً: القلق الوجودي الإيجابي والسلبي

------------------------------

العلاج الوجودي يميز بين القلق المرضي (الذي يشل) والقلق الوجودي الطبيعي (الذي يدفع للنمو).

التطبيق في السورة: "وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ" (السجدة: ١٢) - قلق سلبي (نتيجة الإنكار)

 "إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ" (السجدة: ١٥) - قلق إيجابي يتحول إلى خشوع وإنتاجية.

اللمسة العلاجية: السورة تعيد توجيه القلق الوجودي من مساره المرضي (الخوف من المسؤولية، الإنكار، نكوص الرؤوس) إلى مساره الصحي (الخوف والطمع معاً، السجود، التسبيح). إنها عملية "تحويل القلق" (Anxiety Transformation).


سادساً: العلاج بالزمن الوجودي (التوقيت الإلهي)

-----------------------------------

الوجودية تهتم بتجربة الزمن، وبخاصة الزمن الشخصي (Kairos) مقابل الزمن الكمي (Chronos).

التطبيق في السورة: "يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ" (السجدة: ٥)

اللمسة العلاجية: هنا علاج للقلق المرتبط بالوقت (Time Anxiety). المستعجلون يريدون النتائج الآن. الآية تقول: تدبير الله له إيقاعه الخاص، "يوم" عند الله له معيار مختلف. هذا يعالج "الملل الوجودي" و"الاستعجال المرضي"، ويمنح الإنسان صبراً نفسياً عميقاً.


سابعاً: الجزاء غير المتوقع (مفاجأة المعنى)

-------------------------------

التطبيق في السورة: "فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (السجدة: ١٧)

اللمسة العلاجية: في العلاج الوجودي، عندما يكون الدافع خارجياً (ثواب محدد)، يفقد الفعل أصالته. لكن السورة تترك الجزاء "مخفياً" (غير محدد الكيفية). هذا يخلق علاقة أصيلة مع الفعل نفسه، وليس مع نتيجته المادية. إنها معالجة نفسية عميقة للإخلاص، وتحويل السلوك من كونه "تبادلاً تجارياً" إلى "علاقة وجودية" 


 سورة السجدة تقدم نموذجاً متكاملاً للعلاج النفسي الوجودي يتجاوز مجرد "التهدئة النفسية" إلى "إعادة بناء الوجود الإنساني" على أسس من المعنى والمسؤولية والاتصال بالله . إنها تعالج القلق الوجودي من جذوره، ليس بإلغائه، بل بتوجيهه نحو غاية سامية تحول الإنسان من كائن قلق إلى كائن مطمئن بربه، متفاعل مع وجوده.


٢٧ شباط ٢٠٢٥

إرسال تعليق

0 تعليقات