عراق

حكاية الايام الحلقة رابعة عشر



بقلم:_ وجدي نيازالدين أكبر 
كل مثل لا يتعدى عدة كلمات ولكن مداه أبعد وأعمق عند القلوب الواعية لربما يتطلب منا ان نكتب صفحات لأيحاء المتلقي بمضمونه، مايسرني أروع مثل تركماني أنه قال(ويرآجا كيتمه حجا) معناه (أشبع الجائع تنل ثواب الحج) لأن الجوع يدمر كينونة الأنسان ويضعف ادراكه ويحط ايمانه..
يقال(الجائع لاتطلب منه الصلاة) أشبعه ثم قل له صلي
يقول الأمام علي(عليه السلام )(لوتمثل لي الفقر رجلا لقتلته)
حلت على العراق وبالأخص على مدينتنا طوزخورماتو المجاعة وغلاء المعيشة التي يذكرها القدماء الذين عاصروها وأطلقوا غليها تسمية(بويوك بهالوغ)أي(الغلاء الأكبر) أو(المجاعة الكبرى) التي أثرت كثيرا على حياة المواطنين في حينها وعلى معنويات الجيش العثماني جراء رداءة المواصلات وخزن المواد الغذائية من قبل المحتكرين وعدم تساقط الأمطار خلال عام 1917م بينت نتائجها السلبية نهاية العام وبلغت ذروتها مطلع عام1918م وقبل انسحاب الجيش العثماني من العراق بشهرين تقريبا حيث سنت الحكومة العثمانية قانونا بانزال أشد العقوبات في حق كل من يحتكر المواد الغذائية ، المزارعون لم تؤثر عليهم الأزمة بقدر ما تأثر بها الجنود في الجيش العثماني ولعل ذلك كان من أهم الأسباب في ضعف القوة القتالية لديهم شهود عيان من أصحاب البساتين الذين عاشوا تلك الفترة قالو شهدنا بأم أعيوننا جنودا يلقون حتفهم من الجوع ، مواطن من سكنة طوز خورماتو عاصر المحنة وألم به الجوع انه:(حسن درويش) من سكنة طوز خورماتو ومن مواليد1875م وهو أب لولدين هما:(محمد وعلي) وبنت واحدة اسمها:(زينب) يقال عنه كان رجلا ظريفا من هواة النفخ على المزمار(زرنه) ولذلك كان يقضى معظم أوقاته مع العازفين على المزمار والطبلة وكان يساعدهم في احياء حفلات الزفاف أولاده حاليا يسكنون مدينة كركوك وهم ملاكون لأسواق(علي سلو)....في أحد أيام أربعينيات القرن المنصرم شرح(حسن درويش) حالته وما عاناه من عوز للأستاذ الشاعر علي معروف أوغلو رحمه الله أنه قال:_لما بلغ القحط ذروته ودام أربعين يوما فظلت الناس حيارى وسلمت أمرها الى بارئها سبحانه وتعالى لأنه هو الأقرب الى عباده من حبل الوريد وهو وليهم ولا يخيب عباده وبعد التأوه العسير من الجوع بدأت السماء تمطر ليلا وتصحو نهارا بقدرة الله يوميا كذلك دامت أربعين يوما فأخضرت الأرض باذن ربها وكثر الخباز(البنجر)_الكاعوب(الكنكر).
فبدأ الناس يأكلون الخباز سلقا لشحة الدهن والمعروف عن نبات(الخباز)انه لايسمن من جوع بدون دهن ولكنه قد يؤخر الأجل لعدة أيام...وأردف حسن درويش قائلا:_من شدة القحط والجوع كنت أرى أولادي يوم بعد يوم وتشحب وجوههم حتى أوشكوا على الهلاك وما أصعب هذا الموقف الذي يجد فيه الأب أولاده يتضورون جوعا ويشرفون على الموت وما في يده من حيلة ليرد عنهم غائلة الجوع والموت المحقق...تذكرت أن دعاء الوالدين مستجاب فدعوت رب العالمين:(ربي أرحمني ولاترني موت أولادي)...فأستجاب ربي دعائي بعد فترة لم تدم طويلا احتلت القوات البريطانية العراق فنصبوا خيامهم على مشارف مدينتنا طوز خورماتو في الجانب الأخر من نهر آقصو بالقرب من الجسر القديم ولما كانت القوات البريطانية مؤلفة من جنود مرتزقة أكثرهم من مواطني الدول الأسلامية المحتلة من قبل الجيش البريطاني وخاصة من الهند وايران وباكستان واضطر الناس الى اللجوء اليهم لطلب العون...وفي أحد الأيام أصطحبت ابنتي معي وذهبت الى معسكرهم ومن الأفضل أن لاأفعل ذلك لكن حالة أطفالي أرغمتني على هذا الموقف المحرج وما أن مرت دقائق واذا بجندي طويل اللحية يضرب على كتفي برفق ويؤشر علييه أن أتبعه فسرت خلفه حتى ابتعدنا عن المعسكر فأخرج كيسا فيه كمية من الأرز بمقدار كيلو غرام واحد وقال لي:(فارسي ميداني)يعني هل:(تجيد اللغة الفرسية) فأجبت له نعم وتحدثت معه بطلاقة وعرفت أنه مسلم فحمدت الله على ذلك اذن سأقبل مساعدته بطيب خاطر فهو مسلم مثلي اضطر للتجنيد في القوات البريطانية وهو الآن يساعدني أخذت الكيس منه وأفرغته في الحزمة التي على كتف ابنتي(بيشتمال)وقلت لأبنتي :أنا الآن أبقى هنا واذهبي أنت الى البيت وأسلقي الرز وأطعمي أخوتك حتى أعود.
بقيت في المعسكر أنتظر الجندي فجاءني بعد ساعة وناولني كيسا آخر ومعه قليلا من الدهن حينئذ طلب مني أن أعود له مرة أخرى كي يزودني بأكثر مما زودني الآن.
صرنا نطبخ يوميا ألأرز مع الدهن حتى زال الشحوب من وجه أطفالي فشكرت الله على سلامتهم ، أما من الذين نكد بهم الدنيا فاني سمعت أن(قره سليم) هو أحد وجهاء مدينتنا طوز خورماتو كان وكيل حسابات البابانيين و(البابانيون): هم عشيرة تركمانية رصينة الكثير منهم تقلدوا مناصب عدة وزارات أبان عهد نوري سعيد في الحكم الملكي وهم ملاكون كبار وكانت مساحات شاسعة من أراضي طوز في عهدتهم كان الفلاحون يؤجرونها منهم وتتجمع الأيرادات في موسم الحصاد عند(قره سليم) فيرسلها الى البابانيين ومن أهم صفات (قره سليم) أنه كان شجاعا وكريما لايرد محتاجا ولم يكن هناك من يقدر على مقابلته في هذا الميدان وكان أبي النفس لايمد يده في طلب حاجة وعندما ألم به الجوع أنزوى في بيته مع أثنين من أولاده وأغلق الباب على أنفسهم حتى هلكوا من الجوع ويقال عنه أنه يكنى ب(عابلليه ن) لقد رضي(قره سليم) بالموت ولم يفتح يده للآخرين كأن لسان حاله يقول مع الشاعر عنترة بن شداد:_
لا تسقني ماء الحياة بذلة بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
ماء الحياة بذلة كجهنم وجهنم بالعز لي أطيب منزل
أما أولاده الذين عاشوا من بعده هما: (قره جميل) الذي كان عقيما و(سليمان)هو جد المضمد طوبال علي رحمه الله هذا ولكم مني أطيب التحيات

إرسال تعليق

0 تعليقات