بين ركام الأحداث ، ثمة قدرة مذهلة على الخلط، إلى درجة التضليل المقصود وغير المقصود، في تسويق وتطبيع ثقافة الخنوع والرضوخ والإعجاب بنزعة الاستبداد. ان الاستبداد بقدر ما يعطل مقدرة المجتمع على الخروج من شرنقة الأدوار الدموية بين وجه الضحية والجلاد، فهي ايضا يشوه ملامح الانسانية إلى درجة الفقد، وعندما تضيع تلك الملامح لم يعد ثمة قدرة على اكتشاف طرق لمعنى الحياة خارج دائرة الالم والموت. في مسألة علاقة الجلاد و الضحية يُخيّل للكثير تبدد العُقَّد بين الطرفين، عندما يقوم المخرج بصناعة وجوه انسانية وحنان وعطف وقبول لهذا الجلاد حتى تتضارب الاراء في المجتمع عن أي طاغية تتكلمون؟! لا نرى سوى ملاكاً، يمشي بين الناس ويأكل مما تأكلون. ومن يملأ عين السلطة بقسوة الجلاد ونفوذه وطغيانه سوى الجماهير المحتشدة على أبوابه. بين ان يكون الحاكم جلاداً والمحكوم ضحية طريقٌ سالكٌ فرشناه بقدرتنا الفذة على التبرير والقبول بكل الأدوار. وفي هذه اللعبة النفسية، البالغة التعقيد، تضيع الملامح بين الخير والشر، بين وجه الضحية والجلاد، بين المسؤول عن الإخفاق وضحايا الإخفاق، بين الحقيقة التي يدعي الجميع انها غايتهم وبين التلبيس الذي يمارس بمهارة فائقة، هذه القدرة الفذة على تخريج الاخطاء، ومسح بقايا العتمة وشنق السؤال، هي وظيفة يحسنها كثيرون اليوم، ممن يساهمون في تشكيل رأي عام مشوه وناقص.
0 تعليقات