عراق

من المأتم إلى العرس… ومن العرس إلى المأتم

 (حكاية الأيام)  


حكاية الأيام (38)

بقلم: وجدي نيازالدين أكبر

عشيرة بيرقدار وعشيرة جايرلي هما عشيرتان تركمانيتان سكنتا مدينتنا طوز خورماتو منذ القدم. هناك من يثبت أن عشيرة بيرقدار أقدم من عشيرة جايرلي، رغم أن المحلة التي تجمع الجايرلية تُدعى بـ(جايرليلار محلله سي).

ولكون العشيرتين تجاورَتا في المنطقة نفسها، وبمرور الأزمان، باتت بينهما صلات نسب بفعل المصاهرة، لذلك ترى أن الشخص الذي أبوه من عشيرة بيرقدار تكون أمه من عشيرة جايرلي، وكذلك الذي أبوه من عشيرة جايرلي تكون أمه من عشيرة بيرقدار، وهكذا عاشوا مدى الدهر.

خلال القرن المنصرم (القرن العشرين)، وقعت حادثتان في عشيرة بيرقدار لم تحدث مثلهما في تاريخ طوز:

1- الحادث الأول: انقلاب المأتم إلى عرس

يُذكر أنه في مطلع القرن العشرين، وقبل الحرب العالمية الأولى، وتحديدًا في سنة 1912م تقريبًا، توفي طفل من عشيرة بيرقدار، لم يبلغ الحلم، وهو عسكر ملا حسن ولي، من أم جايرلية.

فاجتمعت العشيرة بأسرها والجيران لتشييعه إلى مثواه الأخير. حينئذٍ، كُلّف أحد أقاربه، المدعو (محمد عللوا يلان كوز)، بشراء تجهيزات الميت من كفن وسدر وكافور.

والظريف في الموضوع أن المكلّف أخطأ في الشراء، فاشترى بدل الكافور دارسين. وحال وصوله إلى الدار، تفاجأ بعودة الميت إلى الحياة بمعجزة من الخالق، وعمّ الفرح العشيرة والجيران.

ووالد المتوفى، من شدة فرحه بخلاص قرة عينه من الموت المحتوم، أبى أن تتفرق الجموع، فدعاهم إلى مأدبة غداء.

والجدير بالذكر أن الدارسين الذي اشتراه المكلّف عن طريق الخطأ قد وُضع في الطعام وقُدّم للحاضرين.

لم ينجُ عسكر من آثار الحادثة تمامًا، إذ تركت أثرًا في أحد ذراعيه، وحدّت من حركته، وجعلته ما يُسمّى بالتركمانية (جولاق).

شاء الله أن يكبر عسكر ويتزوج من ابنة عمه (علي أفندي)، ويُرزق منها بثلاثة أولاد وأربع بنات، وهم الآن من سكنة مدينة كركوك.

وأولاده هم: (رشيد، محمد، أحمد).

ولا ننسى أن محمدًا، رحمه الله تعالى، كان معلمًا وأستاذًا بارعًا في إحدى مدارس طوز في الستينيات.

وفي بداية الثمانينيات من القرن الماضي، فتح عسكر محلًا لبيع الأحذية الحكومية، ما يُسمّى بـ(باتا)، في طوز خورماتو، وظل في عمله حتى وافاه الأجل الموعود في التسعينيات.

ومن أحفاده من جهة ابنته في طوز خورماتو الأستاذ (عصام نقي الحاج محمد بيرقدار).

2- الحادث الثاني: انقلاب العرس إلى مأتم

اجتمعت عشيرة بيرقدار لتزف ابنها البار، الشاب (أكبر محمد عللو إيلان كوز)، وتحديدًا في سنة 1934م.

وكان العريس آنذاك يبقى في منزله، ويكلّف بقية إخوته بإدارة موكب العرس.

والعريس (أكبر) كان له أربعة إخوة، وهم: (عبدالعزيز، عباس، علي، رضا).

فلما آن أوان الزفة، بدأ المدعوون بإعداد أنفسهم للمشي راجلين، ويتوسطهم فرس العرس، في جو مفعم بالألفة والسعادة بين الأحبة، ووسط صاخب من الهلاهل والأهازيج.

وأثناء ارتقاء العروس على الفرس، فقد عبدالعزيز، الماسك بزمام الفرس، وهو أخو العريس، وعيه وفارق الحياة.

فحملته مجموعة من العقلاء إلى المنزل. وقتئذٍ، علمت الأم بوفاة ولدها الأكبر، فكتمت الخبر رغم هول المصيبة التي ألمّت بها، لئلا يفشل الحفل، ويفشل العريس في أداء دوره.

واستمر الحفل على ما يرام حتى دخلت العروس بيت الزوجية، وتعشّى العروسان، وقُضي ما بينهما.

وتلا ذلك النحيب والنواح، اللذان صدحا من حناجر النساء في بيت العريس، معلنين وفاة أخيه عبدالعزيز.

وهذا أصعب موقف لأم تزف أحد أبنائها وتودّع الآخر إلى الثرى.

وهنيئًا لتلك الأم التي تحمّلت الرزية ولم تبح بها لأحد. لا شك أنها من الأمهات الصابرات المجاهدات.

وعلى هذا يقول الشاعر:

الصبر عند المصائب
من أعظم المواهب

هذا، ولكم مني أطيب التحيات.

   

إرسال تعليق

0 تعليقات