عراق

سوق الصفّارين... أنين النحاس وحنين الذاكرة

.




إعداد وتحرير: أنس حكيم


على أنغام تلك المطارق التي كانت تتردد أصداؤها في أزقة سوق الصفّارين، كان النحاس القاسي يتعلّم كيف يلين، كما يتعلّم الإنسان أن الصبر والإتقان قادران على تحويل الأشياء الجامدة إلى لوحات تنبض بالجمال والحياة.

هناك، بين ضربة مطرقة وأخرى، لم تكن تُصنع القدور والدلال والأباريق فحسب، بل كانت تُصاغ حكايات الكفاح، وتُكتب سطور من تاريخ مدينة عرفت قيمة العمل وكرامة الحرفيين.

في سوق الصفّارين بكركوك، لم يكن النحاس وحده من يُطرَق، بل كانت ذاكرة المدينة تُنقش على صفحاته، لتبقى شاهدة على أجيال من الرجال الذين جعلوا من أناملهم مصدر رزق، ومن مهنتهم عنواناً  للصبر والاعتزاز.

سوق الصفّارين في ذاكرة كركوك

يُعدّ سوق الصفّارين، المعروف أيضاً  بسوق الصفافير، من الأسواق الحرفية القديمة التي ارتبطت بالحياة الاقتصادية والاجتماعية في كركوك.

وتشير المعلومات التي وثّقها الباحث في تاريخ كركوك ياسين الحديدي إلى أن السوق انتقل عام 1950، في عهد رئيس بلدية كركوك شامل يعقوبي، إلى موقعه في الصوب الكبير، بالمنطقة المعروفة اليوم بقرب جسر الشهداء.

وقد كانت صناعة الأدوات المنزلية النحاسية من المهن التي تلبي احتياجات البيوت، إذ اشتهر الحرفيون بصناعة القدور والصواني والأباريق ودلال القهوة والمباخر والقناديل وغيرها من المستلزمات اليومية.

ولم يكن السوق مجرد مكان للبيع والشراء، بل كان عالما متكاملا من الحرفيين والورش الصغيرة، تتداخل فيه أصوات المطارق مع أحاديث الناس، وتلتقي فيه مهارة الصانع بحاجة المشتري.

ويوثّق الحديدي أسماء أصحاب 41 محلا وورشة في خمسينيات القرن الماضي، ومن بينهم الأسطة السيد حسن وأولاده، والأسطة قادر زينل وأولاده، والأسطة محمود أحمد زينل وأولاده، والأسطة عزالدين بكر وأولاده، إلى جانب عدد كبير من الحرفيين الذين أسهموا في تشكيل هوية السوق. 

الگاردينيا

مهنة ورثها الأبناء عن الآباء

لم تكن صناعة النحاس مجرد مهنة يتعلمها الإنسان ليكسب قوت يومه، بل كانت إرثاً عائلياً ينتقل من الآباء إلى الأبناء، ومن الأجداد إلى الأحفاد، جيلا بعد جيل.

كان الصبي يقف إلى جانب والده، يراقب حركة يديه، ويصغي إلى إيقاع المطرقة، ويتعلم أن لكل ضربة مكانها، ولكل قطعة معدنية حكايتها.

ومع مرور السنوات، تتحول تلك الأصابع الصغيرة إلى أنامل خبيرة، تعرف كيف تروض المعدن القاسي، وتصنع منه أدوات ترافق العائلات في تفاصيل حياتها اليومية.

وهكذا أصبحت الورش الصغيرة مدارس للحياة، لا تمنح شهادات ورقية، لكنها تخرّج رجالا يعرفون قيمة العرق والجهد ولقمة العيش الحلال.

لقد كانت المهنة بالنسبة إلى أصحابها أكثر من وسيلة للرزق؛ كانت كرامةً وانتماءً وامتدادا لأسماء عائلات تركت بصمتها في تاريخ المدينة.

حين بدأت المطارق تفقد أصواتها

مرّت السنوات، وتبدّلت الحياة، وتغيّرت احتياجات الناس وأذواقهم.

ومع تزايد البضائع المستوردة وانتشار الأواني الحديثة المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ والبلاستيك، تراجع الإقبال على المصنوعات النحاسية التقليدية.

وأصبح المستهلك يجد أمامه منتجات جاهزة ومتنوعة، بعضها أقل سعراً وأكثر ملاءمة لاحتياجات الحياة الحديثة، بينما يحتاج العمل اليدوي إلى ساعات طويلة من الجهد والدقة والإتقان.

وهنا بدأت معاناة الحرفيين.

فالأيدي التي كانت تصنع احتياجات البيوت، وتمنح النحاس جماله وروحه، وجدت نفسها أمام منافسة متزايدة مع المنتجات المصنّعة بكميات كبيرة.

ومع تراجع الطلب على الأدوات النحاسية، اتجه بعض الصفّارين إلى صناعة الخزانات المائية والأباريق وغيرها من المنتجات المصنوعة من الصفائح المعدنية، في محاولة للتكيف مع التحولات الاقتصادية ومتطلبات السوق.

لم يكن ذلك مجرد تغيير في نوع البضاعة، بل كان تحولاً في طبيعة مهنة عاشت طويلاً في ذاكرة المدينة.

بين المستورد وعرق الحرفيين

ما أشد المفارقة حين تصبح البضاعة التي تقطع آلاف الكيلومترات أكثر حضوراً في أسواقنا من تلك التي تصنعها أيدي أبنائنا!

فنحن لا نشتري قطعة معدنية فحسب، بل نختار، بطريقة غير مباشرة، أي الصناعات نريد لها أن تستمر، وأي المهن نتركها تواجه الاندثار.

إن كثرة المنتجات المستوردة وتراجع الاهتمام بالصناعات المحلية يثيران تساؤلات حول مستقبل الحرف التقليدية، ومدى قدرة أصحابها على الاستمرار في ظل المنافسة.

وليس المطلوب الانغلاق أمام التطور أو رفض المنتجات الحديثة، وإنما إيجاد توازن يحفظ للمستهلك حقه في الاختيار، ويمنح الحرفي المحلي فرصة عادلة للاستمرار.

فوراء كل قطعة يصنعها حرفي عائلة تنتظر رزقها، ووراء كل ورشة قديمة تاريخ يستحق أن يُروى.

وكم هو مؤلم أن تتحول المهن التي كانت مصدر فخر للأجداد إلى مجرد صور قديمة نبحث عنها في أرشيف المدينة!

السوق باقٍ... ولكن الملامح تغيّرت

ما زال سوق الصفّارين حاضرا في كركوك، قرب جسر الشهداء، وإن تبدّلت ملامح المهنة التي حمل اسمها عبر السنين.

فالأماكن لا تختفي دائماً عندما تتغير وظائفها، لكنها قد تفقد شيئاً من روحها القديمة.

وقد يمر الإنسان اليوم بجوار السوق دون أن يدرك أن هذه الأزقة شهدت يوماً حكايات عائلات، وأن جدران محلاتها احتفظت بأصوات رجال أمضوا أعمارهم في صناعة ما تحتاجه البيوت.

وهنا يبرز السؤال:

هل بقي من أحفاد أولئك الصفّارين من يحمل سر المهنة؟ وهل ما زالت هناك أيدٍ تتقن ما أتقنه الآباء والأجداد؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تستحق التوثيق والبحث، فالتاريخ لا يعيش في الكتب وحدها، بل في شهادات الناس وذكرياتهم، وفي الحكايات التي لم تجد بعد من يكتبها.

حين يصبح الحفاظ على المهنة حفاظا على الهوية

إن الأسواق التراثية ليست مجرد مواقع تجارية قديمة، بل تمثل صفحات حيّة من تاريخ المدن وهويتها الثقافية.

وحين تتراجع مهنة توارثتها الأجيال، فإن الخسارة لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى ضياع خبرات ومهارات وتقاليد اجتماعية ارتبطت بحياة الناس.

ومن هنا تبرز أهمية توثيق تاريخ سوق الصفّارين، وجمع صور الحرفيين وأسمائهم وشهاداتهم، والاهتمام بما بقي من أدواتهم ومنتجاتهم.

كما أن تشجيع الصناعات اليدوية وإحياء المعارض التراثية وتعريف الأجيال الجديدة بتاريخ هذه المهن، خطوات يمكن أن تسهم في حماية ذاكرة المدينة من النسيان.

فليس كل ما هو قديم يستحق أن يُترك خلفنا، وليس كل ما هو حديث قادرا على تعويض ما نفقده من أصالة.

المطارق التي لا تموت

قد تتغير الأسواق، وقد تتبدل البضائع، وقد تنشغل الأجيال الجديدة بعالم مختلف عن عالم الآباء والأجداد، لكن صوت المطرقة التي كانت تداعب النحاس سيظل حاضراً في ذاكرة كركوك.

فكل ضربة منها كانت تحكي عن أب يسعى لإطعام أبنائه، وعن شاب يتعلم مهنة أجداده، وعن يد خشنة صنعت من المعدن القاسي شيئاً جميلاً ونافعاً.

وإذا كانت أصوات المطارق قد خفتت، فإن حكايات أصحابها لم تنتهِ.

سيبقى سوق الصفّارين شاهداً على زمن كانت فيه الأيادي تصنع ما تحتاجه البيوت، وكانت المهنة شرفاً يتوارثه الأبناء، وكان صوت العمل أجمل الألحان.

فليست المدن وحدها من تحفظ التاريخ، بل تحفظه أيضًا أنامل الحرفيين، ورائحة الورش القديمة، وصدى المطارق التي علّمت النحاس كيف يلين، وعلّمت الإنسان كيف يصبر.

ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لذاكرة كركوك، ألا نترك حكايات حرفييها تموت بصمت.

إرسال تعليق

0 تعليقات