عراق

الكهاريز في كركوك… حين كان الماء يكتب تاريخ المدينة من تحت الأرض

 




إعداد: انس حكيم


لم يكن الماء في كركوك القديمة مجرد عنصر من عناصر الحياة، بل كان شرياناً ارتبط بنشوء الأحياء السكنية وازدهار البساتين واستقرار السكان. وبين الأزقة العتيقة والأراضي الزراعية والقرى المحيطة بالمدينة، ظلّت الكهاريز شاهداً على براعة الإنسان في تطويع الطبيعة واستخراج المياه من أعماق الأرض، في زمن لم تكن فيه المضخات الكهربائية وشبكات الإسالة الحديثة قد دخلت حياة الناس.


ولعل ما يميز الكهاريز أنها ليست مجرد آبار أو ينابيع، بل منظومة هندسية متكاملة تعكس فهماً لطبيعة الأرض وانحداراتها ومستويات المياه الجوفية. ومن خلال هذه المعرفة استطاع الإنسان أن ينقل المياه عبر قنوات تحت الأرض، لتصل إلى الأراضي الزراعية ومناطق السكن، مستفيداً من قوة الجاذبية الطبيعية.


📌 ما الكهريز؟ وكيف نشأت فكرته؟


الكهريز، وجمعه كهاريز، نظام تقليدي لنقل المياه الجوفية، يُعرف في مناطق أخرى باسم القناة أو القنات، وهو من أقدم ابتكارات الإنسان في مجال الري وإدارة الموارد المائية.


تقوم فكرته على حفر سلسلة من الآبار العمودية المتصلة بنفق تحت الأرض، يمتد بانحدار محسوب يسمح بجريان المياه بصورة طبيعية من المناطق الأعلى إلى المناطق المنخفضة.


وقد انتشر هذا النظام تاريخياً في إيران ومناطق من الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، ووصل إلى مناطق مختلفة من العراق، ولا سيما المناطق الشمالية والشرقية التي تساعد طبيعتها الجغرافية على إنشاء هذه القنوات.


ولا يمكن تحديد تاريخ ظهور الكهاريز في كركوك على وجه الدقة دون الاستناد إلى دراسات أثرية متخصصة، لكن الشواهد التاريخية والمواقع التي ما زالت معروفة تؤكد أنها شكّلت جزءاً مهماً من تراث المنطقة المائي.


📌 الكهاريز في كركوك القديمة


عندما نتأمل تاريخ كركوك، نجد أن الماء كان حاضراً في تكوين المدينة وتوسعها العمراني، ولا سيما في المناطق التي عُرفت ببساتينها وسواقيها القديمة.


وتشير الكتابات التاريخية المتعلقة بمحلة القورية إلى أن المنطقة كانت تتميز قبل الحرب العالمية الأولى بانتشار البساتين وأشجار البرتقال والليمون، إلى جانب السواقي التي كانت تجري فيها المياه.


ومن السواقي التي تذكرها المصادر المحلية ساقية القورية، وساقية تسعين، وساقية زيوة، وساقية بلاوه، وقد ظلت بعض هذه السواقي قائمة حتى ستينيات القرن العشرين.


كما تذكر المصادر وجود كهاريز ارتبطت بأسماء عائلات كركوكية معروفة، منها عائلة الهرمزي وعائلة قيردار وعائلتا آوجي وصاري كهيه.


وتكشف هذه الأسماء عن جانب مهم من تاريخ المدينة الاجتماعي، إذ لم تكن مصادر المياه منفصلة عن حياة السكان، بل ارتبطت بالمحلات والعائلات والبساتين، وأصبحت جزءاً من الذاكرة المحلية.


ومن المهم هنا التمييز بين السواقي المكشوفة والكهاريز الجوفية؛ فلكل منهما طبيعته الهندسية، وإن كانتا قد أسهمتا معاً في توفير المياه للمدينة.


📌 شوان وقره هنجير… ذاكرة الماء المتجدد


في المناطق الواقعة شمال مدينة كركوك، ولا سيما ناحية شوان وقره هنجير، ما زالت الكهاريز والعيون المائية تمثل جزءاً من المشهد الطبيعي والتراثي.


وقد اشتهرت هذه المناطق بوجود مجارٍ مائية وعيون ارتبطت بالزراعة والبساتين، فضلاً عن تحول بعضها إلى مواقع يقصدها الأهالي خلال فصل الربيع.


ومن أبرز المواقع المعروفة كهريز حاجي بيخان السفلي والعلوي في ناحية شوان، اللذان يتميزان بأهميتهما المائية والتاريخية.


ولم تكن هذه المنشآت بمنأى عن التحديات الطبيعية؛ فقد تعرض بعضها إلى تراكم الأطيان والترسبات وانسداد القنوات نتيجة السيول والتغيرات البيئية، مما استدعى أعمال تنظيف وتأهيل للمحافظة على استمرار تدفق المياه.


📌 كهريز حاجي بيخان… هندسة عمرها نحو قرن ونصف


يُعد كهريز حاجي بيخان السفلي من أبرز الشواهد التاريخية على أنظمة الري التقليدية في كركوك.


وتشير بيانات اللجنة الدولية للري والصرف إلى أن إنشاءه يعود إلى نحو 150 عاماً، وأنه يتكون من أربع آبار مترابطة تتغذى من بعضها، وتتصل بقنوات مائية تنقل المياه إلى الأراضي الزراعية.


وتُظهر طبيعة هذا النظام مقدار الخبرة التي امتلكها القائمون على إنشائه، إذ تطلب العمل معرفة بانحدار الأرض وطبيعة التربة ومستوى المياه الجوفية، فضلاً عن مهارات الحفر وإنشاء القنوات وصيانتها.


وقد بدأت وزارة الموارد المائية العراقية عام 2007 أعمالاً لتطوير الكهاريز والعيون في قرى ناحية شوان، وشملت كهريز حاجي بيخان السفلي، الذي أُعيد تأهيله عام 2023.


وفي أيلول 2024، حقق هذا المعلم إنجازاً تاريخياً بإدراجه ضمن سجل التراث العالمي لمنشآت الري التابع للجنة الدولية للري والصرف، خلال اجتماعاتها في مدينة سيدني الأسترالية.


وقد شكّل هذا الاعتراف تقديراً للقيمة الهندسية والتاريخية للكهريز، بوصفه نموذجاً للمعرفة التقليدية في إدارة المياه.


📌 اعتراف دولي جديد بتراث كركوك المائي


لم تتوقف أهمية كهاريز كركوك عند هذا الإنجاز؛ ففي 16 تشرين الأول 2026، أُعلن إدراج كهريز ناروجة حاجي جرجيس العليا، الواقع في ناحية شوان، ضمن سجل التراث العالمي لمنشآت الري، خلال اجتماعات اللجنة الدولية للري والصرف في مدينة مرسيليا الفرنسية.


ويعكس هذا الاعتراف أهمية المواقع المائية التاريخية في كركوك، ويفتح المجال أمام مزيد من الاهتمام بدراستها وتوثيقها وحمايتها.


ويجدر التوضيح أن هذا السجل تابع للجنة الدولية للري والصرف، وليس لقائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو.


📌 الكهريز بين الذاكرة الشعبية والتاريخ


لا تقتصر أهمية الكهاريز على الجانب الهندسي، بل تمتد إلى الذاكرة الاجتماعية للمدينة.


فالماء الذي كان يصل إلى البساتين والمنازل لم يكن مجرد مورد طبيعي، بل كان جزءاً من حياة الناس اليومية، ومن طبيعة العلاقة التي جمعت الإنسان بأرضه.


وتحمل أسماء الكهاريز والسواقي القديمة دلالات تاريخية واجتماعية، لأنها تحفظ أسماء أماكن وعائلات ارتبطت بمراحل مختلفة من تاريخ كركوك.


ومن هنا تبرز أهمية العودة إلى الروايات الشفوية لكبار السن، والوثائق العثمانية والسجلات المحلية والخرائط القديمة، من أجل معرفة مواقع الكهاريز التي اختفت أو تغيرت معالمها بفعل التوسع العمراني.


فقد تكون تحت بعض الأحياء القديمة آثار لقنوات مائية لم تعد ظاهرة للعيان، لكن إثبات وجودها وتحديد امتدادها يحتاجان إلى مسوحات أثرية وهندسية، لا إلى الذاكرة الشعبية وحدها.


📌 هل يمكن إحياء الكهاريز؟


إن المحافظة على الكهاريز التاريخية لا تعني بالضرورة إعادتها جميعاً إلى الاستخدام القديم، بل تبدأ بتوثيقها وحمايتها من الاندثار.


ويمكن أن تشمل جهود الحفاظ عليها إعداد خرائط دقيقة لمواقعها، ودراسة حالتها الإنشائية، وتسجيل أسمائها التاريخية، وجمع الشهادات المتعلقة بها، إلى جانب دراسة إمكان تأهيل المواقع المناسبة منها وفق أسس علمية تراعي سلامة المياه والمنشآت.


كما يمكن أن تصبح بعض الكهاريز المؤهلة مواقع تعليمية وسياحية تعرّف الأجيال الجديدة بتاريخ كركوك، وبالوسائل التي استخدمها الإنسان قديماً في إدارة المياه.


📌 حين يبقى الماء شاهداً على التاريخ


إن تاريخ كركوك لا يُقرأ من خلال قلعتها وأسواقها وأزقتها القديمة وحدها، بل من خلال ما تخفيه أرضها أيضاً من آثار هندسية ومائية تعكس حياة الأجيال التي سبقتنا.


فالمنشآت التي تبدو اليوم بسيطة قياساً بالتقنيات الحديثة كانت في زمانها إنجازات عظيمة، تطلبت المعرفة والصبر والعمل الجماعي.


ولعل أجمل ما تحمله الكهاريز من معنى أن الإنسان استطاع، قبل قرون، أن يصنع طريقاً للماء في باطن الأرض، وأن يحوّل المعرفة بالطبي


إرسال تعليق

0 تعليقات