عراق

خانقين، حيث يُزهر التراب شهادةً

 



بقلم: ديار الهرمزي

في خانقين، لا يموتون.

هناك، حيث تلتقي جبال زاغروس بسماء الوند، يصير الموت مجرد عبورٍ من دربٍ إلى درب، ومن ظلٍّ إلى نور، ومن صمت التراب إلى صيحة الخلود.

أنا لا أكتب عن رحيل؛ فالرحيل حدثٌ يخص الأجساد، وأنا أتحدث عن أرواحٍ ظلّت تسكن تلال تلك المدينة، كما تسكن الريح أوراق السنديان.

خانقين... اسمٌ يتشكّل في الفم كدعاء، كتنهيدة، كجرحٍ ينزف جمالًا.

هي ليست مجرد نقطة على الخريطة، بل ذاكرةٌ تتنفس، ووجعٌ يتجمّل، وتاريخٌ يرفض أن يصبح ماضيًا.

هنا، في هذه المدينة التي عرفتها الأقدام قبل أن تعرفها العيون، يُزهر التراب شهادةً، ويصير الدم حبرًا يكتب به الأبناء سيرة آبائهم.

أتذكّر، وما أدراك ما التذكّر في زمن النسيان!

أتذكّر تلك الوجوه التي كانت تخرج من بيوتٍ بسيطة، كما تخرج النوارس من أعشاشها، لا تملك إلا قلوبًا كبيرة وعيونًا ترى في الأفق ما لا تراه العيون.

كانوا يمشون في شوارع المدينة بخفّة الفراش في الحدائق، يحملون في صدورهم وطنًا كاملًا، وفي أكفّهم أمانة الحياة.

كانوا يضحكون، وفي ضحكاتهم شيءٌ غامض يحمل بذور الفراق.

ومن خانقين، تلك المدينة التي تُشرق من جراحها، خرج الأبطال.

لا أقول سقطوا؛ فالسقوط للأوراق، أما الأبطال فلا يسقطون، بل يرتقون.

خرجوا يحملون اسم المدينة في قلوبهم، كما يحمل الطفل لعبته الوحيدة.

لم يذهبوا إلى الموت طلبًا له، بل واجهوه دفاعًا عن الحياة، فصار الموت عاجزًا أمام إرادتهم، وتحول إلى جسرٍ يعبرون به إلى ما وراء الزمان.

يا لها من مدينة!

في كل فجرٍ تستحضر شهيدًا جديدًا في الذاكرة، وفي كل غروبٍ تعيد كتابة تاريخها بدمٍ لا يجف.

خانقين، التي كانت وما زالت ملتقى الأنهار والثقافات، والآلام والآمال.

هنا، حيث يلتقي الكردي بالعربي، والتركماني بالكلداني، تصير الإنسانية لغةً واحدة، والشهادة ذكرى جامعة.

لا فرق بين دمٍ ودمٍ حين يُراق دفاعًا عن الأرض؛ فكلّه يصير ماءً يسقي شجرة الحرية.

أتأمل أسماءهم...

أسماءٌ كانت، قبل أن تقترن بالشهادة، مجرد أسماء تُنادى في الأزقة، وتُكتب في سجلات المدارس، وتُهمس بها الحبيبات في ليالي الخريف.

ثم صارت أيقوناتٍ ومنارات، وأسماءً لا تُنطق إلا بالخشوع.

كيف يتحول الاسم من مجرد صوتٍ إلى صلاة؟

وكيف يصير الإنسان، في لحظةٍ واحدة، أكبر من حدود عمره، وأبقى من سنوات حياته؟

ربما لأن الشهادة ليست لحظة موتٍ فحسب، بل ولادة أخرى في ذاكرة الأحياء، ولادةً لا يطويها الزمن.

في خانقين، الشوارع تتذكر، والأحجار تتذكر، حتى الريح هناك تحفظ ملامح الذين مرّوا.

أنا أؤمن بأن المدن تملك ذاكرة، وأن التراب يحفظ أثر الأقدام كما يحفظ القلب أثر الأحبة.

وخانقين، تلك المدينة العتيقة، تملك ذاكرةً لا تنسى.

تتذكر كل من مشى على ترابها، وكل من نام في حضنها، وكل من رحل عنها إلى حيث لا عودة.

وأنتم، يا شهداءنا الأعزاء، لم ترحلوا من الذاكرة.

أنتم هنا، في كل صباحٍ يُشرق على تلال المدينة، وفي كل مساءٍ يغمر الجبال بحمرة الغياب.

أنتم في صوت الأم حين تنادي ابنها، وفي صمت الأب حين يرفع كأس الشاي وعيناه معلّقتان بالأفق.

أنتم في ضحكة الطفل الذي لم يعرف عمّه إلا من الصور، وفي دمعة العجوز التي تزور قبر ابنها كل جمعة.

أتعلمون ما الذي يُحزنني حقًّا؟

ليس الموت وحده، فالموت قدر الحياة، ولكن ما يُحزنني أننا، نحن الباقين، ننسى أحيانًا.

ننسى أن وراء أيامنا الآمنة تضحياتٍ عظيمة، وأن أسماء الراحلين ليست مجرد حروفٍ منقوشة على شواهد القبور.

ننسى أننا نمشي على ترابٍ ارتوى بدمائهم، ونتنفس هواءً كان آخر ما تنفسوه.

ننسى، ثم نتذكر، ثم ننسى مرة أخرى.

وهكذا تدور دائرة الذاكرة والنسيان.

لكن خانقين لا تنسى.

تتذكر كل شهيدٍ رحل عن ترابها، وكل جريحٍ نزف في أزقتها، وكل طفلٍ سرق انفجارٌ آثم ضحكته البريئة.

تتذكر لأنها، ببساطة، أمٌّ.

والأم لا تنسى أبناءها، وإن غابوا.

يا شهداء خانقين، يا من ملأتم الأفق نورًا، وجعلتم من تضحياتكم جسرًا نعبر عليه إلى غدٍ أفضل...

نسأل الله أن تكونوا في رحاب رحمته، حيث لا ألم ولا خيانة ولا نسيان، وأن تنعم أرواحكم بسكينة الجنة ونعيمها.

وإن غبتم عن أعيننا، فإن ذكراكم باقية في كل خطوةٍ نخطوها بأمان، وفي كل كلمةٍ نقولها بكرامة، وفي كل حلمٍ نزرعه لأجيالٍ قادمة.

أكتب هذه الكلمات وأنا أعلم أنها عاجزة.

والعجز هنا ليس عيبًا، بل اعترافٌ بعظمة التضحية.

كيف لكلماتي المحدودة أن توفي حق من بذلوا أعمارهم؟

وكيف لقلمي أن يرسم صورة دمٍ صار في ذاكرة الناس نبضًا للحياة؟

لكنني أكتب رغم العجز؛ لأن الصمت أمام التضحيات جفاء، والنسيان خيانة للذاكرة.

أكتب لأقول إننا لم ننسَ، ولن ننسى.

وإن أسماءكم محفورة في قلوبنا، كما هي محفورة في حجارة تلك المدينة العتيقة.

خانقين، يا مدينتي، يا من احتضنتِ الشهداء قبل أن يحتضنهم التراب...

أنتِ اليوم أكثر من مدينة؛ أنتِ مزارٌ للذاكرة، وموطنٌ للوفاء، وروايةٌ لا تنتهي.

وهم، يا شهداءنا، أكثر من راحلين.

هم حكايةٌ تُروى، ونورٌ يضيء، ودرسٌ تتوارثه الأجيال.

هم الذين لم يختاروا الموت لذاته، بل اختاروا أن يدافعوا عن الحياة، فامتدت حكاياتهم إلى ما بعد الرحيل.

في خانقين، يا صديقي، لا يموتون في ذاكرة المدينة.

هناك، حيث يلتقي التراب بالسماء، يصير الموت مجرد بابٍ تعبر منه الأجساد، وتبقى خلفه الحكايات.

وفي كل فجرٍ جديد، تستيقظ المدينة على أسمائهم، وفي كل مساءٍ ترفع إلى السماء دعاءً لأرواحهم.

رحمهم الله جميعًا رحمةً واسعة، وأسكنهم الفردوس الأعلى من الجنة، وألهم ذويهم الصبر الجميل.

ستبقى خانقين مدينةً تحفظ أسماء أبنائها في ذاكرة الأرض، وتُزهر من جراحها وفاءً لا يذبل.

إرسال تعليق

0 تعليقات