عراق

الخَرّيط... حلوى الأهوار التي تحمل ذاكرة العراق



اعداد وكالة صدى الثقافية 

حين نتحدث عن المطبخ العراقي، فإننا لا نتحدث عن أطباق وحلويات فحسب، بل عن ذاكرة حضارية تشكلت على ضفاف دجلة والفرات، وانتقلت تفاصيلها من جيل إلى آخر. ومن بين أغرب ما احتفظ به الموروث الشعبي العراقي حلوى صفراء ذهبية تُعرف باسم «الخَرّيط»، ارتبطت بأهوار جنوب العراق وبنباتاتها المائية منذ زمن بعيد.

والخريط ليس حلوى تعتمد في أصلها على الطحين أو الحليب أو المكسرات كما هو مألوف، وإنما تُصنع من حبوب اللقاح الصفراء لنبات البردي من جنس Typha، وهو أحد النباتات المائية المنتشرة في بيئة الأهوار. وفي موسم التلقيح تحمل الأجزاء الذكرية من النبات كميات من حبوب اللقاح ذات اللون الأصفر الذهبي، وهي المادة الأساسية التي يجمعها أهل الأهوار لصناعة الخريط.

لماذا سُمّي بالخريط؟

ترتبط التسمية، بحسب الرواية الشعبية التي ينقلها مؤرخون محليون، بعملية «الخرط» نفسها؛ إذ تُسحب المادة الصفراء الهشة من زهرة النبات وتُجمع بعناية، ولذلك يُطلق على من يقوم بهذه العملية اسم «الخَرّاط». ويتركز موسم جمعها في الربيع، ولا سيما خلال شهري نيسان وأيار.

بعد جمع المادة الصفراء تبدأ رحلة إعدادها. تُجفف أولًا تحت أشعة الشمس، ثم تُنخل وتُنقّى من بقايا الزهور والشوائب، حتى تبقى حبوب اللقاح الدقيقة.

وفي إحدى الطرق التقليدية لصناعة الخريط يوضع الماء في قدر، وتُمد فوقه قطعة من القماش توضع عليها المادة الصفراء بحيث لا تلامس الماء مباشرة، ثم يُحكم إغلاق القدر، وكان أهل الأهوار يستخدمون الطين حول الغطاء لمنع تسرب البخار. وبفعل الحرارة والبخار تتماسك المادة تدريجيًا، ثم تُترك لتبرد وتُقطع إلى قطع صغيرة. وقد يضاف إليها السكر أحياناً لزيادة حلاوتها.

إنها طريقة تبدو بسيطة، لكنها في الحقيقة معرفة شعبية دقيقة تراكمت عبر أجيال طويلة، وتحتاج إلى خبرة في توقيت جمع النبات وتنقية حبوب اللقاح ومدة تعريضها للبخار.

هل الخريط حلوى سومرية حقًا؟

هنا تبدأ الحكاية الأكثر إثارة.

تصف تقارير عراقية الخريط بأنه حلوى يعود تاريخها إلى نحو أربعة آلاف عام، حتى شاع وصفه بـ«حلوى السومريين».

لكن من الناحية التاريخية ينبغي التعامل مع هذه النسبة بشيء من الحذر.

فوجود البردي والنباتات المائية في بيئة جنوب بلاد الرافدين قديم بلا شك، كما أن سكان هذه البيئة استفادوا من موارد الأهوار منذ العصور القديمة. وتذكر الباحثة والمؤرخة في المطبخ العراقي نوال نصر الله أن هناك قولا بأن النبات كان معروفاً في السومرية القديمة باسم قريب من ariptu، لكنها تشير بوضوح إلى أنها لم تتمكن من التحقق من صحة هذه المعلومة.

لذلك، فإن القول إن الخريط بصورته الحالية هو الوصفة نفسها التي كان السومريون يتناولونها يحتاج إلى دليل أثري أو نص مسماري مباشر يثبت ذلك.

والأدق أن نقول إن الخريط حلوى عراقية شديدة القِدم مرتبطة ببيئة أهوار بلاد الرافدين، وتُنسب جذورها في الرواية التراثية إلى العصور السومرية، بينما لا يزال إثبات الوصفة السومرية نفسها بحاجة إلى توثيق أثري أكثر تحديدًا.

وهذا لا ينتقص من قيمة الخريط، بل يجعل حكايته أكثر إثارة؛ فهو شاهد على استمرارية علاقة الإنسان العراقي بالماء والنبات والبيئة نفسها التي قامت فيها حضارات جنوب بلاد الرافدين.

الخريط والأهوار... علاقة حياة

لا يمكن فصل الخريط عن الأهوار.

فالخريط جزء من منظومة معيشية كاملة عرف فيها سكان الأهوار كيف يستثمرون النباتات المحيطة بهم؛ فالبردي لم يكن مجرد نبات ينمو في الماء، وإنما دخل في الغذاء وفي عدد من الاستخدامات المحلية، وأصبحت حبوب لقاحه الصفراء مادة موسمية ينتظرها الناس.

وقد اشتهرت مناطق جنوب العراق بصناعته، ومن بينها المجر الكبير في محافظة ميسان، التي عُرفت بوصفها من الأسواق المهمة للخريط. كما بقيت صناعته مرتبطة إلى حد كبير بالعائلات التي ورثت معرفة جمعه وإعداده جيلاً بعد جيل.

لكن هذه العلاقة تعرضت لهزة كبيرة خلال تسعينيات القرن الماضي مع تجفيف مساحات واسعة من الأهوار، فانخفض إنتاج الخريط، ثم عاد بعد عودة المياه إلى أجزاء منها. واليوم يظل استمرار هذا الموروث مرتبطا إلى حد كبير ببقاء البيئة المائية والنباتات التي تمنحه مادته الأساسية.

حلوى أم وثيقة من الذاكرة؟

ربما تكمن أهمية الخريط الحقيقية هنا.

فحين تمسك قطعة منه، فأنت لا تمسك نوعًا غريبًا من الحلوى العراقية وحسب، وإنما أمامك خلاصة سلسلة طويلة تبدأ من مياه الأهوار، وتمر بنبات البردي وحبوب لقاحه، ثم بيد الإنسان الذي يجمعها وينقيها ويطبخها بالطريقة التي تعلمها ممن سبقه.

لقد تغيرت موائد العراقيين، ودخلت إليها مئات الأنواع الحديثة من الحلويات، لكن الخريط بقي بطعمه ولونه وطريقة صناعته التقليدية، محتفظًا بشيء من خصوصية جنوب العراق.

وقد لا نستطيع، وفق الأدلة المتاحة، أن نجزم بأن القطعة التي نأكلها اليوم هي ذاتها التي أكلها السومريون قبل آلاف السنين، لكننا نستطيع القول إن الخريط ابنٌ أصيل لبيئة بلاد الرافدين، وحكاية غذائية قديمة حافظ عليها أهل الأهوار حتى وصلت إلى موائد العراقيين المعاصرين.

وهكذا يصبح الخريط أكثر من حلوى صفراء موسمية؛ إنه ذاكرة تؤكل، وتراث حيّ يروي جانبًا من علاقة العراقي بأرضه ومائه ونباتاته منذ أزمنة بعيدة.

إرسال تعليق

0 تعليقات