عراق

كركوك بين مليارات الإنفاق وغياب الرؤية من يحاسب على مستقبل المدينة؟



بقلم عمر رفيق مياس
منذ عام 2003 وحتى اليوم، أُنفقت على كركوك مليارات الدنانير تحت عناوين الإعمار والخدمات والمشاريع المختلفة، وتغيرت الحكومات والمسؤولون والبرامج، وتعددت المشاريع التي أُعلن عنها وافتُتحت.

لكن، وبعد كل هذه السنوات وكل هذه الأموال، يبقى السؤال المشروع أمام كل مسؤول تعاقب على إدارة شؤون هذه المدينة:

أين أصبحت كركوك؟
وماذا تحقق فعلاً؟
وماذا تركنا لأبنائنا؟

غدًا سيقف أبناؤنا أمامنا، أو أمام من كان مسؤولًا عن القرار، ويسألون:

كل هذه الأموال التي صُرفت، ماذا فعلتم بها؟ وماذا تركتم لنا؟

فهل ستكون لدينا إجابة مقنعة؟

هذه الأسئلة ليست اتهامًا لشخص بعينه، وليست إنكارًا لما أُنجز من مشاريع، وإنما هي دعوة إلى مراجعة صريحة وشجاعة لمسيرة مدينة عانت طويلًا من تراكم المشكلات، ومن غياب الرؤية الموحدة، ومن التجاذبات السياسية والإدارية.

فالتنمية لا تُقاس بحجم الأموال التي صُرفت، ولا بعدد المشاريع التي افتُتحت، وإنما بمقدار التحسن الذي شعر به المواطن، وبما يبقى من تلك المشاريع بعد عشرين عامًا.

المال وحده لا يبني مدينة

الحقيقة التي يجب أن ندركها هي أن المال وحده لا يبني مدينة.

قد تُصرف المليارات، ولكن إذا صُرفت من دون تخطيط متكامل، ودراسات علمية، وأولويات واضحة، ورؤية مستقبلية، ومتابعة ومحاسبة، فقد ننفق كثيرًا ونحقق قليلًا.

بل قد يؤدي مشروع واحد نُفذ من دون دراسة كافية إلى خلق مشكلة جديدة تحتاج بعد سنوات إلى أموال أخرى لمعالجتها.

فالمدينة ليست شارعًا ولا جسرًا ولا بناية ولا مجمعًا سكنيًا ولا مشروعًا منفردًا.

المدينة منظومة متكاملة من:

السكن، والطرق، والنقل، والماء، والمجاري، والكهرباء، والبيئة، والمساحات الخضراء، والاستثمار، والاقتصاد، والخدمات العامة، واستعمالات الأراضي، والتوسع العمراني.

ولهذا فإن تنفيذ مشروع من دون النظر إلى تأثيره في بقية عناصر المدينة قد يكون نجاحًا على الورق، لكنه فشل في التخطيط الحضري.

فالشارع الذي يُنفذ من دون دراسة حركة المرور الحالية والمستقبلية قد يتحول إلى اختناق جديد.

والمجمع السكني الذي يُبنى دون مدارس ومراكز صحية ووسائل نقل وخدمات ومساحات خضراء قد يتحول من حل لأزمة السكن إلى عبء جديد على المدينة.

والاستثمار الذي لا ينسجم مع المخطط الأساسي قد يحقق أرباحًا للمستثمر، لكنه يفرض كلفته على المدينة والمواطن.

العشوائيات ليست المشكلة وحدها… بل نتيجة لمشكلة أكبر

العشوائيات جرح يتسع مع الزمن، لكنها ليست مجرد بيوت متجاوزة ينبغي النظر إليها بعين الهدم فقط.

إنها في كثير من الأحيان نتيجة تراكمية لغياب التخطيط، وضعف تطبيق القوانين، وأزمة السكن، والنمو السكاني، وعدم توفير البدائل المناسبة.

لذلك لا يكفي أن نسأل:

كيف نهدم العشوائيات؟

بل يجب أن نسأل:

لماذا ظهرت؟
ما أسبابها؟
أين البدائل السكنية؟
كيف نعالج المناطق القائمة؟
وكيف نمنع ظهور عشوائيات جديدة؟

المعالجة الحقيقية تحتاج إلى خطة عمرانية واجتماعية واقتصادية وقانونية متكاملة، تحفظ كرامة المواطن وتحمي مستقبل المدينة.

فمن الأرخص والأكثر عقلانية أن نمنع نشوء المشكلة من أن ننتظر حتى تتضخم ثم ندفع أضعاف تكلفتها لمعالجتها.

أزمة السكن ليست أربعة جدران

أزمة السكن ليست مجرد أرقام لعدد الوحدات السكنية.

السكن يعني حياة متكاملة.

يعني مدرسة قريبة، ومركزًا صحيًا، وطرقًا جيدة، ووسائل نقل، وحدائق، وخدمات، وفرص عمل، وبيئة مناسبة.

ولهذا فإن بناء وحدات سكنية بمعزل عن التخطيط الحضري المتكامل لا يحل أزمة السكن، وإنما قد ينقلها إلى مكان آخر.

كركوك بحاجة إلى سياسة إسكانية حقيقية تضع المواطن محدود ومتوسط الدخل في قلب المعادلة، وتربط مشاريع السكن بالتخطيط العام للمدينة، لا أن تكون مجرد مجمعات تُضاف إلى خارطة المدينة دون حساب آثارها المستقبلية.

الاستثمار… هل يخدم المدينة أم يضغط عليها؟

لسنا ضد الاستثمار، بل إن كركوك تحتاج إلى استثمارات حقيقية تحرك الاقتصاد وتوفر فرص العمل وتطور الخدمات.

لكن الاستثمار الناجح ليس الاستثمار الذي يربح فيه المستثمر وحده.

الاستثمار الحقيقي هو الذي يربح فيه المستثمر، وتستفيد منه المدينة، ويتحسن بسببه مستوى حياة المواطن.

وقبل منح أي إجازة استثمارية، يجب أن تكون هناك إجابات واضحة:

هل المشروع ينسجم مع التصميم الأساسي للمدينة؟
هل يتناسب مع احتياجاتها؟
هل تستطيع البنى التحتية استيعابه؟
ماذا سيضيف إلى كركوك؟
كم فرصة عمل سيوفر لأبناء المدينة؟
ما تأثيره على البيئة؟
هل يضيف خدمات أو مساحات خضراء أو مرافق سياحية وترفيهية؟
هل سيرفع جودة الحياة أم سيزيد الضغط على الطرق والخدمات؟

هذه الأسئلة ليست عرقلة للاستثمار، وإنما حماية للاستثمار وحماية للمدينة من سوء التخطيط.

النقل والطرق… لا تعالجوا اختناق اليوم بصناعة اختناق الغد

من أكثر الأخطاء شيوعًا معالجة الاختناقات المرورية بحلول آنية وموضعية.

المدينة تتوسع، والسكان يزدادون، والسيارات تتزايد، ومراكز النشاط التجاري والخدمي تتغير.

لذلك فإن تخطيط الطرق يجب أن يقوم على دراسات مستقبلية لحركة السكان والمركبات والتوسع العمراني، بالتزامن مع تطوير النقل العام.

فلا يمكن حل مشكلة النقل في مدينة متنامية بمجرد إضافة شارع هنا أو توسعة تقاطع هناك.

نحن بحاجة إلى منظومة نقل حضرية متكاملة، وإلى طرق تُخطط لما ستكون عليه كركوك، لا لما هي عليه اليوم فقط.

الأرض الزراعية والمساحات الخضراء ليست فائضًا عمرانيًا

من أخطر الأخطاء النظر إلى الأراضي الزراعية والمساحات الخضراء باعتبارها أراضي متاحة للتوسع العمراني كلما احتاجت المدينة إلى ذلك.

المدينة تحتاج إلى تنمية، لكنها تحتاج أيضًا إلى بيئة متوازنة.

حماية الأراضي الزراعية، وزيادة المساحات الخضراء، وإنشاء الحدائق والمناطق المفتوحة، وحماية البيئة من التلوث، كلها ليست كماليات؛ بل جزء من جودة الحياة وأمن المدينة ومستقبلها.

كركوك أُنهكت أيضًا بالسياسة

لا يمكن الحديث عن مشاكل كركوك التخطيطية والإدارية من دون الحديث بصراحة عن المحسوبيات والصراعات السياسية والتدخلات من خارج المحافظة.

لقد أُنهكت كركوك طويلًا بالتجاذبات السياسية والمصالح الشخصية والمحسوبيات، وأثرت هذه الحالة في كثير من الأحيان على القرار والمشروع والأولوية.

كما أن تدخلات القوى والجهات القادمة من خارج المحافظة زادت من تعقيد المشهد، وجعلت كركوك في أوقات كثيرة ساحة لصراعات أكبر من احتياجات المواطن اليومية.

كركوك بحاجة إلى قرار يخدم كركوك أولًا، وليس إلى قرارات تتحول فيها المدينة إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية.

الإدارة المشتركة ليست شعارًا

ومن هنا تأتي أهمية الإدارة المشتركة لكركوك.

كركوك مدينة متعددة المكونات، وهذه الحقيقة يجب أن تكون أساسًا لبناء إدارتها، لا سببًا للصراع عليها.

الإدارة المشتركة الحقيقية لا تعني تقاسم المناصب فحسب، ولا تعني أن يكون لكل طرف حصة شكلية، وإنما تعني شراكة حقيقية في القرار والمسؤولية، تقوم على القانون والكفاءة والتوازن والاحترام المتبادل.

لا يمكن بناء مستقبل مستقر لكركوك بمنطق الغالب والمغلوب، أو الإقصاء والتفرد، أو احتكار القرار.

كركوك تحتاج إلى إدارة يشعر جميع أبنائها بأنها تمثلهم وتحمي مصالحهم ومستقبلهم.

وماذا عن ممثلي كركوك في بغداد؟

هناك مسؤولية أخرى لا يمكن تجاهلها، وهي مسؤولية ممثلي كركوك في مجلس النواب.

كان ينبغي أن يكون هناك موقف كركوكي موحد وجاد في بغداد، مهما اختلفت الانتماءات السياسية، لنقل احتياجات المحافظة ومشاكلها ومصالحها والدفاع عنها بقوة.

الاختلاف السياسي حق، ولكن عندما يتعلق الأمر بالماء والكهرباء والطرق والسكن والصحة والتعليم والإعمار وحقوق كركوك ومستقبلها، يجب أن تكون هناك مساحة واسعة للاتفاق.

لكن المشاحنات والخلافات السياسية أضعفت في مراحل كثيرة الموقف المشترك، وأفقدت كركوك جزءًا من قوتها في بغداد.

نحن لا نحتاج إلى نواب يتفقون في كل شيء، وإنما نحتاج إلى نواب يختلفون سياسيًا إذا أرادوا، لكنهم يتفقون عندما يتعلق الأمر بكركوك.

كركوك لا تفتقر إلى الكفاءات

والقول إن كركوك لا تملك الخبرات ليس صحيحًا.

في كركوك مهندسون ومخططون وأكاديميون واقتصاديون وخبراء في البيئة والنقل والإدارة ومختلف الاختصاصات، قادرون على تقديم حلول علمية وعملية.

المشكلة ليست في عدم وجود الكفاءة، وإنما في عدم إعطاء الاختصاص دوره الحقيقي في صناعة القرار.

السياسي ليس مطلوبًا منه أن يكون مهندسًا أو مخطط مدن، ولكن السياسي الحقيقي يجب أن يمتلك الرؤية والقرار، وأن يعرف متى يستمع إلى أهل الاختصاص.

فمستقبل المدن لا يبنى بالاجتهادات الشخصية، ولا بالحلول المؤقتة، ولا بردود الأفعال.

السياسة تضع الاتجاه، والتخطيط يحدد الطريق، والهندسة تحول الخطة إلى واقع، والاقتصاد يدرس الجدوى، والخبراء يحددون المخاطر، والرقابة تتابع التنفيذ، والمحاسبة تمنع الانحراف.

هذه هي الشراكة التي تحتاجها كركوك.

من «كم مشروعًا؟» إلى «أي كركوك نريد؟»

ربما آن الأوان لأن نغير السؤال.

بدل أن نسأل:

كم مشروعًا سننفذ هذا العام؟

علينا أن نسأل:

كيف نريد أن تكون كركوك عام 2040؟

ثم نبني مشاريعنا وميزانياتنا وقراراتنا على هذه الرؤية.

نحتاج إلى خطة واضحة تشمل:

معالجة العشوائيات،
حل أزمة السكن،
تطوير النقل العام،
معالجة الاختناقات المرورية،
تطوير الطرق وفق دراسات مستقبلية،
حماية الأراضي الزراعية،
زيادة المساحات الخضراء،
تنظيم التوسع العمراني،
تطوير البنى التحتية،
تنظيم الاستثمار،
حماية البيئة من التلوث،
تطوير الخدمات العامة،
إنشاء قاعدة بيانات حضرية دقيقة،
تحديد أولويات الإنفاق،
متابعة المشاريع بعد تنفيذها،
قياس أثر المشاريع على حياة المواطن،
وربط الإنفاق العام بخطة واضحة ومؤشرات أداء ومحاسبة.

لا تجعلوا كركوك مختبرًا للتجارب

كركوك ليست مختبرًا للتجارب.

فالخطأ في التخطيط العمراني قد لا يظهر اليوم، وقد يمر دون أن ينتبه إليه أحد، لكنه قد يظهر بعد عشر أو عشرين سنة.

وعندما يظهر، قد تكون تكلفة إصلاحه أكبر بكثير من تكلفة منعه في البداية، وربما يصبح تصحيحه صعبًا أو شبه مستحيل.

لهذا فإن التخطيط ليس ترفًا إداريًا، بل هو حماية للأموال العامة وحماية للمدينة والأجيال القادمة.

ماذا سيبقى بعد عشرين عامًا؟

المشروع الحقيقي ليس ما نفتتحه اليوم، وإنما ما يبقى نافعًا بعد سنوات.

يجب أن يكون السؤال حاضرًا في كل مشروع:

ماذا سيبقى من هذا المشروع بعد عشرين سنة؟

وما أثره على المدينة؟

وهل سيظل يخدم المواطن؟

وهل كان هو الأولوية الصحيحة؟

وهل أنفقنا المال في المكان الصحيح والوقت الصحيح وبالطريقة الصحيحة؟

هذه الأسئلة يجب أن تكون جزءًا من ثقافة الإدارة العامة.

التاريخ لا يرحم

قد تتغير الحكومات.

وقد تتغير المناصب.

وقد تتغير الوجوه.

لكن المدينة تبقى، والتاريخ لا يتغير.

سيتذكر أبناء كركوك من وضع رؤية حقيقية للمدينة، ومن عمل من أجل مستقبلها، ومن ساهم في بنائها، كما سيتذكرون من امتلك القرار ولم يستخدمه بالشكل الصحيح، ومن أهمل التخطيط، ومن سمح للعشوائيات بالتوسع، ومن أضاع الفرص، ومن ترك المشكلات تتراكم حتى تحولت إلى إرث ثقيل للأجيال.

قد يصفق لك الناس اليوم، وقد ينتهي منصبك غدًا، لكن ذاكرة المدن أطول من أعمار المسؤولين.

كركوك تحتاج إلى أن تصنع مستقبلها

كركوك لا تحتاج فقط إلى أموال أكثر.

كركوك تحتاج إلى رؤية.

ولا تحتاج بالضرورة إلى مشاريع أكثر، بل إلى مشاريع صحيحة، في المكان الصحيح، والوقت الصحيح، وبالطريقة الصحيحة.

ولا تحتاج إلى حلول مؤقتة، بل إلى تخطيط طويل الأمد، وقرار شجاع، وشراكة حقيقية، ورقابة فاعلة، ومحاسبة عادلة.

التنمية الحقيقية ليست في حجم الأموال التي صرفت، وإنما في حجم التحسن الذي شعر به المواطن.

وليس الإنجاز أن نفتتح مئات المشاريع، وإنما الإنجاز الحقيقي أن نغلق ملفات المشاكل التي عانى منها المواطن لعقود.

فإذا استمررنا في معالجة المشكلات بطريقة متفرقة، فسنبقى ندور في الحلقة نفسها:

نصرف → ننفذ → تظهر مشكلة → نصرف من جديد → نعالج المشكلة → تظهر مشكلة أخرى.

وهكذا تضيع السنوات، وتضيع الأموال، بينما تتوسع المدينة بلا رؤية، وتتراكم المشكلات، وتكبر الفجوة بين ما كان يمكن أن تكون عليه كركوك وما أصبحت عليه.

لذلك آن الأوان أن ننتقل:

من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل،
ومن المشروع المنفرد إلى التخطيط المتكامل،
ومن الإنفاق من أجل الإنفاق إلى الاستثمار من أجل الإنسان والمدينة،
ومن رد الفعل إلى الرؤية المتكاملة،
ومن المحسوبيات والمشاحنات إلى الشراكة،
ومن القرارات الفردية إلى القرار المبني على العلم والاختصاص.

فكركوك لا تحتاج فقط إلى من يدير أزماتها، بل تحتاج إلى من يخطط لمستقبلها.

لأن المدينة التي لا تخطط لمستقبلها، سيخطط لها الآخرون بالنيابة عنها، وفق رؤاهم ومصالحهم ومطامعهم.

وكركوك تستحق أكثر من ذلك.

تستحق أن تكون مدينة تعرف إلى أين تتجه، وتخطط لمستقبل أبنائها، وتحافظ على هويتها ومواردها وأراضيها وبيئتها، وتستثمر أموالها بعقل ومسؤولية.

وفي النهاية، فإن أموال اليوم ليست مجرد أرقام في جداول الموازنة؛ إنها حقوق أجيال ومقدرات مدينة.

وما نقرره اليوم ليس ملكًا لجيلنا وحده.

إنه مستقبل أطفالنا وأبنائنا وأحفادنا.

وسيأتي يوم يسأل فيه الجيل القادم:

من كان المسؤول؟
من كان يملك القرار؟
ماذا فعل؟
وماذا ترك لنا؟

عندها لن تنفع المناصب، ولا الصور، ولا الاحتفالات.

سيبقى فقط ما تركناه وراءنا.

فإما أن تذكرنا كركوك باعتبارنا جيلًا ساهم في بناء مستقبلها، وإما أن تذكرنا باعتبارنا جيلًا امتلك فرصة تاريخية وأضاعها.

والخيار ما زال بأيدينا.
عمر رفيق مياس

إرسال تعليق

1 تعليقات

  1. عاشت ايدك استاذ عمر... تحليل منطقي

    ردحذف