بقلم: عبدالحميد آل كلوت
5/8/2026
في أغلب جلسات توقيع الكتب، أو الاحتفاء بها، أو مناقشتها، يتكرر المشهد نفسه: كراسٍ مصفوفة، وكتاب جديد على الطاولة، وكاتب متوتر توترًا ممزوجًا بالفرح والخوف، ومُقدِّم يمسك بيده ورقةً ليبدأ بقوله: «يُشرّفني أن أقدّم لكم...».
بعد ذلك تبدأ عملية سرد طويلة وعريضة؛ إن لامست القشرة الخارجية للكتاب فذلك شيء عظيم! ينبغي للمُقدِّم أن يكون ذا باع طويل في عملية التقديم أولًا، ودراية بمضمون الكتاب ثانيًا؛ فهو الجسر الذي يربط الحاضرين بالمؤلف ومضمون كتابه.
على المُقدِّم أن يفهم ما بين يديه؛ ففكرة التقديم لا تكمن في الجلوس على المنصة فحسب، وإنما في فهم الكتاب وفكرته. وكما يُقال إن الإلقاء نصف القصيدة، فإن المُقدِّم هو نصف نجاح الجلسة.
إذا كان الكتاب مجموعة شعرية، فإن من يقدّمها مطالب بقراءتها بتمعن، واستخراج صورها الشعرية ورموزها بأنواعها المختلفة، وملاحظة التكرار وأدوات الربط وغيرها. وإذا كان رواية، فعليه أن يفكك بناءها السردي، وشخصياتها، وزمانها، ومكانها. أما إذا كان كتابًا اجتماعيًا أو فكريًا، فعلى المُقدِّم أن يناقش أفكاره، لا أن يكتفي بمدح الغلاف وقشرته الخارجية.
كم من مُقدِّم اختزل كتابًا يقع في صفحات كثيرة بجملة بسيطة لا تساوي الحبر الذي كُتب به: «إنه كتاب جميل يتحدث عن المجتمع»! وبهذه الجملة يكون قد قتل الكتاب مرتين: مرة أمام الجمهور، ومرة أمام الكاتب.
ليس كل من هبّ ودبّ يستحق أن يجلس على المنصة. من يريد الصعود إليها يجب أن يكون مُسلّحًا بالفكر والمعرفة، وأن يكون قارئًا للكتاب الذي كُلّف بتقديمه. تبدأ خيانة الكتاب والكاتب عندما يتناوله المُقدِّم تناولًا سطحيًا.
ويجب أن يفهم المُقدِّم أن تقديم رواية ليس كتقديم قصة أو مجموعة شعرية؛ فالرواية تحتاج إلى تحليل للحبكة والبناء والشخصيات، أما الشعر فيحتاج إلى إحساس بموسيقاه وصوره ودلالاته.
دور المُقدِّم ليس «التطبيل»، وإنما إضاءة ما لم يصرّح به الكاتب، والكشف عما يختبئ بين سطور كتابه. واحترام الجمهور واجب لا يمكن الاستغناء عنه؛ فالجمهور جاء ليفهم المضمون، لا ليستمع إلى لغة فضفاضة بعيدة عن موضوع الكتاب.
وتكمن الكارثة حين لا يفهم المُقدِّم ماهية الكتاب، فيقدّم الرواية كما لو كانت سيرة ذاتية، أو يقتل القصيدة حين يلقيها فيفرغها من موسيقاها، ويحوّلها إلى خبر عابر في شريط إخباري على إحدى الشاشات.
أيها المؤلف، لا تحجز قاعة ولا تطبع دعوات إذا كان المُقدِّم لا يعرف الفرق بين القصة القصيرة والخاطرة، وبين القصيدة العمودية وقصيدة النثر. ولا تشترك في جريمة قتل مؤلَّفك الذي منحته الكثير من وقتك وجهدك، لتأتي بمُقدِّم لا يشغله سوى اعتلاء المنصة.
المُقدِّم الذي لا يفهم الكتاب يسرق جهد مؤلفه ويُفقد الكتابة هيبتها. أما نجاح الجلسة، فيعتمد على قراءة المُقدِّم للكتاب بتمعن، وأن يبدأ بالتعريف بالكتاب وكاتبه، ثم ينشئ حوارًا معه، ويُفضّل أن يكون الحوار على هيئة أسئلة مدروسة، على أن يُتاح في الختام وقت للجمهور للتعبير عن آرائه ومناقشة المؤلف.

0 تعليقات