عراق

الآباء أساس الأسرة، والأسرة أساس المجتمع






بقلم الباحث ازاد كورجي

إذا أردنا أن نفهم حاضر المجتمع ومستقبله، فلا يكفي أن ننظر فقط إلى السياسة أو الاقتصاد أو مؤسسات الدولة. علينا أولاً أن ننظر إلى الأسرة؛ لأن الأسرة هي أساس المجتمع، والأطفال الذين ينشأون داخل الأسرة هم الذين يشكلون مجتمع الغد.

لذلك، للآباء والأمهات تأثير مهم في ثقافة المجتمع وأخلاقه ونمط حياته وعلاقاته الاجتماعية، وحتى في حياته السياسية. وقد كان للأب، في كثير من المجتمعات، مكانة مهمة داخل الأسرة من حيث تحمل المسؤولية والتوجيه والقدوة. لكن هذا الدور لا يعني التخويف أو فرض السيطرة والقمع، بل تعني الأبوة الحقيقية أن يكون الأب قدوة في العدل والمسؤولية والثقة والتربية والرحمة وحسن الأخلاق.

فطريقة تعامل الأب مع أسرته تؤثر في أبنائه في كثير من الأحيان. فإذا كان الأب يحترم الآخرين، يتعلم الأبناء الاحترام؛ وإذا كان عادلاً، يدركون قيمة العدل؛ وإذا كان مجتهداً ومسؤولاً، يتعلمون الاجتهاد وتحمل المسؤولية. أما إذا كان الأب دائماً غاضباً أو أنانياً أو جباناً أو تمييزياً أو ظالماً، فقد يعتبر الأبناء هذه السلوكيات أموراً طبيعية وينقلونها إلى حياتهم الخاصة.

ولهذا السبب، قد تتحول السلوكيات التي تبدأ داخل الأسرة مع مرور الوقت إلى سلوكيات في المجتمع. فالتربية والثقافة داخل الأسرة يمكن أن تنعكسا على صداقات الأبناء، وحياتهم العملية، وعلاقاتهم الاجتماعية، وحياتهم العامة. كما أن قدرة الإنسان على الثقة بالآخرين، واحترام أصحاب الآراء المختلفة، وحل المشكلات بالحوار، والتفكير في المصلحة العامة، ترتبط بدرجة كبيرة بالقيم التي يتعلمها في طفولته.

ومع ذلك، من الخطأ تحميل الأب وحده هذه المسؤولية. فالأب والأم معاً هما المعلمان الأولان لأبنائهما. فالطفل يتأثر بالسلوك الذي يراه أكثر مما يتأثر بالكلمات التي يسمعها. لا يكفي أن نقول له: «كن صادقاً»، بل يجب أن يرى الصدق داخل بيته. ولا يكفي أن نقول له: «احترم الآخرين»، بل يجب أن يرى كيف يتم التعامل باحترام داخل الأسرة. ولا يكفي أن نقول له: «أحب وطنك ومجتمعك»، بل يجب أن يتعلم داخل أسرته معنى خدمة المجتمع وتحمل المسؤولية تجاهه.

المجتمع العراقي والمجتمع التركماني

من المهم، عند تقييم ثقافة المجتمع العراقي والمجتمع التركماني في العراق، وأخلاقه وعلاقاته الاجتماعية ونمط حياته الحالي، ألا نتجاهل دور الأسرة. فاللغة والعادات والتقاليد والتكافل الأسري واحترام الكبار والضيافة ومفهوم التعليم والمسؤولية الاجتماعية وغيرها من القيم التي تنتقل من جيل إلى آخر، يتعلم الإنسان كثيراً منها داخل الأسرة أولاً.

لكن هناك نقطة مهمة يجب التأكيد عليها: ليس من الصحيح أن ننسب جميع خصائص المجتمع إلى الآباء وحدهم. فثقافة المجتمعات تتشكل أيضاً بفعل التاريخ والتعليم والدين والاقتصاد والحروب والهجرة والتحضر وسياسات الدولة والإعلام والمؤسسات السياسية والعلاقات مع المجتمعات والمكونات الأخرى.

إن دور الآباء والأسر مهم، لكنه لا يفسر وحده جميع مراحل التطور التاريخي والاجتماعي للمجتمع.

وبالنسبة إلى المجتمع العراقي والمجتمع التركماني، فإن السؤال الأساسي اليوم هو:

أي مجتمع نريد أن نتركه للأجيال القادمة؟

إذا كنا نريد مجتمعاً أكثر وعياً وتعليماً وصدقاً وعدلاً واحتراماً لبعضه بعضاً، ومجتمعاً يتحمل أفراده مسؤولياتهم تجاه المجتمع، فعلينا أن نضع أساس ذلك داخل الأسرة.

يجب ألا نعلّم أبناءنا التفكير في مصلحة أسرهم فقط، بل يجب أن نعلّمهم أيضاً التفكير في المصلحة العامة للمجتمع. علينا أن نعلّمهم ألا يكونوا أعداء لمن يختلف معهم في الرأي، وأن يحترموا مختلف الهويات والمكونات، وأن يقدّروا القانون والعدالة، وأن يحبوا العمل والإنتاج وتحمل المسؤولية.

فالطفل الذي ينشأ داخل الأسرة سيصبح غداً عضواً في المجتمع. وطفل اليوم قد يصبح غداً معلماً أو مهندساً أو طبيباً أو رجل أعمال أو موظفاً أو مسؤولاً أو سياسياً. فإذا تعلم الطفل العدل والصدق والمسؤولية داخل أسرته، فمن الممكن أن يحمل هذه القيم معه إلى المؤسسات التي سيعمل فيها مستقبلاً. أما إذا تعلم الكذب والتمييز والخوف والعنف وعدم تحمل المسؤولية، فمن الممكن أن تنعكس هذه السلوكيات على الحياة الاجتماعية.

ولهذا السبب، إذا أردنا الارتقاء بالحياة السياسية، فلا ينبغي أن نكتفي بتغيير السياسيين، بل يجب أن نعمل أيضاً على تطوير الثقافة الاجتماعية التي تفرز السياسيين. فالسياسة لا تنشأ في مكان منفصل عن المجتمع، والسياسيون يخرجون من داخل المجتمع نفسه.

رسالتنا إلى المجتمع

الآباء والأمهات يربّون مجتمع المستقبل منذ اليوم.

فما نعلّمه لأطفالنا داخل بيوتنا اليوم، سنراه غداً في مجتمعنا. فإذا كان الاحترام موجوداً في الأسرة، ظهر الاحترام في المجتمع؛ وإذا كان العدل موجوداً في الأسرة، ظهر العدل في المجتمع؛ وإذا كان الصدق موجوداً في الأسرة، نشأت الثقة في المجتمع؛ وإذا كانت المسؤولية موجودة في الأسرة، تطور الوعي بالمواطنة والمسؤولية العامة.

لذلك، لا نبحث عن مستقبل العراق ومستقبل المجتمع التركماني فقط في مؤسسات الدولة أو الأحزاب السياسية أو الانتخابات، بل علينا أن نبحث عن أساس المستقبل أيضاً داخل أسرنا.

على كل أب وأم أن يسأل نفسه:

«أي نوع من الإنسان أعلّم طفلي أن يكون؟ وأي مواطن أقدّم للمجتمع من خلال تربيتي له؟»

لأن أبناءنا ليسوا أبناءنا وحدنا؛ إنهم صنّاع مجتمع المستقبل.

إن التربية التي نقدمها لهم اليوم داخل بيوتنا ستتحول غداً إلى ثقافة المجتمع وأخلاقه وحياته الاجتماعية ووعيه السياسي.

إذا أردنا مجتمعاً أفضل، فعلينا أن نربي أبناءً أفضل. وإذا أردنا أبناءً أفضل، فعلينا أولاً أن نكون نحن قدوة حسنة لهم.

لأن مستقبل المجتمع لا يتشكل فقط في صناديق الاقتراع، بل يتشكل أيضاً داخل بيوتنا
ازاد كورچى

إرسال تعليق

1 تعليقات

  1. د. حسين صالح12 أغسطس 2026 في 2:07 م

    🎁💐💐💐 موضوع رائع وانت مربي جيد استاذ ازاد المحترم 💐

    ردحذف