حكاية الأيام
بقلم: وجدي نيازالدين أكبر
أحبائي، بقدوم شهر الأفراح، شهر ربيع الأول، وهو شهر مولد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد انجلاء شهرَي الأحزان، محرم وصفر، أستذكر عادة قديمة كانت جارية في مدينتنا طوز منذ أزمنة بعيدة.
كان من عادات الأهالي عند انتهاء شهر صفر وبزوغ هلال شهر ربيع الأول، كسر الأواني الفخارية، كالشَّرْبة والجَرّة والبَسْتوقة، وذلك برميها من فوق سطوح المنازل.
وكان الناس يرون في هذه العادة تعبيرًا عن انقضاء شهرَي محرم وصفر بسلام وأمان، والدخول في شهر جديد ارتبط في وجدانهم بالفرح بمولد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد ارتبط محرم وصفر في ذاكرة المؤمنين بمناسبات أليمة؛ ففي العاشر من محرم استشهاد الإمام الحسين (ع)، وفي الخامس والعشرين منه استشهاد الإمام علي السجاد زين العابدين (ع)، كما تُستذكر في أواخر صفر ذكرى استشهاد الإمام علي الرضا (ع)، ووفاة النبي محمد (ص)، حبيب الله الذي أرسله رحمة للعالمين.
وفي الدعاء يذكر المؤمنون مصاب فقد النبي (ص):
«اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا، صلواتك عليه وآله، وغيبة ولينا، وكثرة عدونا، وقلة عددنا، وشدة الفتن بنا، وتظاهر الزمان علينا، وأعنا على ذلك بفتح منك تعجله، وبضر تكشفه، ونصر تعزه، وسلطان حق تظهره، ورحمة منك تجللناها، وعافية منك تلبسناها، برحمتك يا أرحم الراحمين».
والجدير بالذكر أن عادة كسر الأواني الفخارية ورثناها عن أسلافنا، ولا سيما عن أمهاتنا وجداتنا.
وما زلت أتذكر مشهدًا من ستينيات القرن الماضي، وتحديدًا عام 1968، حين كنت ابن تسع سنوات. عندما هلّ هلال شهر ربيع الأول، بدأت البيوت في طوز ترمي الشَّرْبات والجرار من فوق السطوح، واحدة تلو الأخرى، وأخذت أصوات انكسار الفخار تعلو في أرجاء المدينة، معلنة في وجدان أهلها انتهاء شهرَي الأحزان واستقبال شهر الأفراح.
كانت تلك الأصوات جزءًا من ذاكرة طفولتنا، وطقسًا شعبيًا تناقلته الأجيال، حتى أصبحت تفاصيله مرتبطة بصورة طوز القديمة وبيوتها وأهلها.
وحسب فهمي ومما كان متداولًا في الذاكرة الشعبية، كان الناس يتشاءمون من كثرة البلايا في شهرَي محرم وصفر. وما يدريك أن ما حدث لاحقًا في طوز من اشتباكات يوم الخميس 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، والذي صادف أواخر محرم سنة 1437هـ، لم يكن في ذاكرة أهل المدينة أقل شأنًا من البلاء؛ إذ فقد أناس أعزاء لهم، وتضررت بيوت ومحال، وتركت تلك الأحداث جراحًا في نفوس الأهالي.
تبقى هذه الحكايات جزءًا من الذاكرة الشعبية لمدينة طوز؛ عادات قد تتغير أو تختفي مع مرور الزمن، لكن تسجيلها يحفظ صورة من حياة أجيال سبقتنا، وكيف كانت تعبّر بطريقتها البسيطة عن الحزن والرجاء والانتقال من زمن إلى آخر.
وآخر دعوانا أن يحفظ الله عراقنا العزيز وشعبنا الأبي من مخططات الأعداء وشر الأشرار.
آمين يا رب العالمين.

0 تعليقات