نفحة صوفية في أثر الكلمة حين تصبح نوراً في قلب الإنسان
بقلم المهندس الاستشاري عمر رفيق مياس
حين يبتسم القلم
نفحة صوفية
يقال إن القلب إذا عرف طريقه إلى النور، لم يعد يحتاج إلى كثير من الكلام.
ولعل القلم كذلك…
فبعد أن خاف، وبعد أن صمت، وبعد أن جلس طويلًا أمام بياض الورق يسأل نفسه: ماذا أكتب؟ ولماذا أكتب؟
جاءت لحظة لم يحتج فيها إلى سؤال.
ابتسم.
نعم… للقلم ابتسامة.
لكنها ليست ابتسامة الحبر على الورق، ولا ابتسامة الكاتب حين يرى اسمه يتصدر العناوين.
إنها ابتسامة أعمق من ذلك.
ابتسامة القلم حين يكتب شيئًا يعرف أنه سيترك في قلب إنسانٍ ما أثرًا جميلًا.
يبتسم القلم حين يكتب كلمة اعتذار في الوقت المناسب.
ويبتسم حين يفتح نافذة أمل في جدارٍ من اليأس.
ويبتسم حين ينصف إنسانًا ظلمه الكلام، أو يرد إلى مجهولٍ حقه في أن يُرى ويُسمع.
ويبتسم حين يستطيع أن يجعل إنسانًا يقرأ سطرًا فيقول:
“كأن هذا الكلام كُتب من أجلي.”
هناك فقط يعرف القلم أنه لم يكتب عبثًا.
فليس أجمل ما يفعله القلم أن يملأ الصفحات، وإنما أن يترك في نفس قارئه شيئًا لا يزول.
قد يقرأ الإنسان ألف مقال وينسى عناوينها، لكنه قد يتذكر جملةً واحدة عاش بها سنوات.
وقد ينسى اسم الكاتب، لكنه لا ينسى الكلمة التي أنقذته ذات يوم من اليأس.
تلك هي ابتسامة القلم.
⸻
لكن القلم لا يبتسم للفرح وحده.
أحيانًا يبتسم وهو يكتب عن الحزن.
فهو يعرف أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يقول له: “لا تحزن”، بل يحتاج أحيانًا إلى من يقول له:
“أنا أفهم حزنك.”
وهنا تتحول الكتابة إلى يدٍ تمتد من بعيد، تربت على كتف إنسان لا نعرفه، وتقول له: لست وحدك.
كم من قلبٍ كان يحتاج إلى كلمة، لا إلى نصيحة.
وكم من إنسانٍ كان يحتاج إلى أن يشعر بأن أحدًا فهمه، لا إلى أن يخبره أحد كيف يعيش.
القلم حين يفهم الإنسان… يبتسم.
⸻
ويبتسم القلم حين يرى الخير ينتصر دون أن يطلب لنفسه مجدًا.
حين يرى شابًا يختار العلم بدل الجهل.
وأبًا يختار التسامح بدل الانتقام.
وأمًا تزرع في أبنائها الأمل رغم قسوة الحياة.
وإنسانًا يستطيع أن يرد الإساءة بالرحمة.
فالقلم الذي يبحث عن الجمال لا يراه في القصور وحدها.
قد يجده في يد عاملٍ متعبة.
وفي عين طفل.
وفي امرأةٍ تصبر.
وفي رجلٍ أعاد حقًا ليس له.
وفي إنسانٍ فعل الخير ثم مضى دون أن ينتظر صورةً أو تصفيقًا.
هناك يبتسم القلم.
⸻
ويبتسم القلم بطريقة أخرى…
حين يكتب لقلبٍ يحبه، دون أن يراه، ودون أن يجلس أمامه، ودون أن يسمع صوته.
يكتب إليه كما لو أن المسافة لم تكن موجودة، وكأن بين القلبين طريقًا لا تعرفه الخرائط.
يكتب:
“كيف حالك؟”
وهو لا يريد جوابًا.
ويكتب:
“اشتقت إليك.”
وهو يعرف أن الاشتياق أحيانًا لا يحتاج إلى جواب.
يكتب ما لا يستطيع اللسان قوله، وما عجزت العيون عن إخفائه.
فبعض القلوب لا تحتاج إلى أن تتكلم كي تتفاهم…
يكفي أن يكتب لها القلم.
والأجمل أن القلم، حين يكتب للحبيب، لا يكتب الحروف وحدها؛ يضع بين السطور شيئًا من ارتجاف اليد، وشيئًا من شوق القلب، وشيئًا من الصمت الذي تراكم طويلًا ولم يجد طريقه إلى الكلام.
وربما لا تصل الرسالة.
وربما لا يأتي الرد.
لكن القلم لا يحزن…
لأنه لم يكتب ليأخذ شيئًا.
كتب فقط ليقول لقلبٍ بعيد:
“ما زلت هنا… وما زال في قلبي مكانٌ لك.”
وهنا يبتسم القلم.
لأنه اكتشف أن بعض الرسائل لا تحتاج إلى بريد، وأن بعض القلوب تقرأ ما بين السطور قبل أن تقرأ السطور نفسها.
فالقلم حين يكتب للحبيب لا يكون مجرد أداة…
يكون قلبًا ثانيًا للقلب الذي لا يستطيع الكلام.
⸻
لكن هناك أقلامًا لا تعرف الابتسام.
لأنها اعتادت أن تبحث عن العيب قبل الجمال، وعن السقوط قبل النهوض، وعن الخطأ قبل المحاولة.
تكتب وكأن مهمتها في الحياة أن تقول للناس: أنتم سيئون.
وهذه الأقلام قد تكون قوية، لكنها ليست بالضرورة عظيمة.
فالكاتب ليس من يكتشف الجرح فقط، وإنما من يعرف كيف يضع عليه كلمةً تشبه الدواء.
النقد الذي يهدم سهل.
أما النقد الذي يهدم الخطأ ويبني الإنسان، فهو الأصعب.
والقلم الذي يرى الظلام ثم يشعل شمعة، أعظم من قلمٍ يكتفي بوصف الظلام.
⸻
ابتسامة القلم ليست ضعفًا.
إنها انتصار.
انتصار على القسوة.
ففي عالمٍ يزداد فيه الصخب، يصبح أن تكتب كلمةً جميلة فعل مقاومة.
وفي زمنٍ يكثر فيه التشهير، يصبح أن تستر عيبًا وتذكر فضيلة فعلًا من النبل.
وفي زمنٍ يتسابق فيه الناس إلى إدانة بعضهم، يصبح أن تبحث عن العذر فعلًا من الإنسانية.
لذلك لا تخجل من أن تجعل قلمك يبتسم.
فليس مطلوبًا من القلم أن يكون غاضبًا طوال الوقت حتى يكون صادقًا.
الحقيقة ليست حزنًا دائمًا.
والوعي ليس عبوسًا.
والقوة ليست قسوة.
أحيانًا تكون أقوى كلمة هي تلك التي تجعل إنسانًا يبتسم بعد أن كان على وشك البكاء.
⸻
وللقلم ابتسامة أخرى…
حين يكتب عن الوطن.
ليس الوطن الذي نرفعه شعارًا، وإنما الوطن الذي نسكنه في تفاصيلنا الصغيرة.
في شارعٍ قديم.
في بيتٍ غادرناه.
في رائحة خبزٍ عرفناها ونحن أطفال.
في صوت أمٍ لم يعد موجودًا.
في مدينةٍ بقيت في الذاكرة حتى بعدما ابتعدت عنها المسافات.
عندها يبتسم القلم رغم أن عيني الكاتب قد تدمعان.
لأنه يعرف أن بعض الحنين ليس وجعًا فقط…
إنه دليل على أننا أحببنا.
⸻
وفي نهاية كل رحلة، لا يسأل القلم: كم شخصًا قرأني؟
بل يسأل:
هل جعلت إنسانًا يفكر؟
هل أعطيت حزينًا قليلًا من الأمل؟
هل أنصفت مظلومًا؟
هل أصلحت فكرةً خاطئة؟
هل تركت وراءي شيئًا أجمل مما وجدته؟
إذا كانت الإجابة نعم…
فليبتسم القلم.
لأنه لم يكن مجرد قلم.
كان نافذةً دخل منها النور.
وما زالت للقلم حكاية…
فالقلم لا يحمل الحبر وحده… بل يحمل ضمير صاحبه.
بعد «حين يصبح القلم ضميرًا» → «حين يخاف القلم» → «حين يصمت القلم» → «حين يبتسم القلم»، أنتظروا المقال الخامس القلم يحلم….
لان القلم لا يكتفي بوصف الواقع، بل يستطيع أن يرى ما لم يولد بعد.

1 تعليقات
رووعة استاذ عمر عاشت ايدك 🎀💐
ردحذف