بقلم: نوران أرسلان
أن تضع قدميك على أرض قلعة كركوك، فكأنك تعبر إلى زمن آخر، زمنٍ ما زال يتنفس بين الحجارة العتيقة. وما إن تلامس جدرانها القديمة، أو تقع عيناك على أبوابها التي جرّدتها السنون وعوامل التعرية من زينتها وألوانها، حتى تشعر أن الزمن لم يستطع أن ينتزع منها روحها. فقد بقيت شامخة، كأن الذين شيدوها أودعوا فيها جزءا من أرواحهم قبل أن يرحلوا.
تبدو القلعة حزينة وهي تحمل آثار الإهمال وما خلفته العقود من جراح، لكنها في الوقت ذاته تبعث في النفس شيئاً من الطمأنينة، لأنها ما زالت تجد من يقف أمامها بإجلال، ويقرأ في حجارتها تاريخ مدينة لم تتوقف يوما عن الحياة. وحتى وإن لم نعش بين أزقتها وهي تضج بالأسواق والحرفيين وأصوات الأطفال، فإنها لا تزال تنقل إلينا صدى تلك الأيام، وكأن الماضي لم يغادرها قط.
وليس هذا الإحساس وليد الخيال، بل تؤكده القيمة التاريخية التي تتمتع بها القلعة، إذ تُعد من أبرز المواقع الأثرية في العراق، وقد أدرجتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام 2021 على قائمتها التمهيدية للتراث العالمي، اعترافا بما تمثله من إرث حضاري يعكس تعاقب الحضارات على مدينة كركوك.
تقوم القلعة فوق تل أثري يرتفع بنحو أربعين متراً عن مجرى نهر الخاصة، وهو موقع منحها أهمية دفاعية واستراتيجية منذ العصور القديمة. وتشير الدراسات الأثرية إلى أن هذا التل كان مأهولاً منذ آلاف السنين، وأنه شهد مراحل متعاقبة من البناء والتطوير، حتى أصبحت القلعة مركزاً للإدارة والحكم والحياة الاجتماعية في المدينة.
وعلى امتداد تاريخها، تعاقبت على كركوك حضارات ودول عديدة، تركت كل منها أثرا في عمران القلعة وهويتها. لذلك تبدو القلعة اليوم كأنها كتاب مفتوح، تتجاور في صفحاته طبقات التاريخ، وتحكي كل زاوية فيه قصة زمن مختلف، دون أن تفقد المكان وحدته أو أصالته.
ولم تكن القلعة حصناً عسكرياً فحسب، بل مدينةً نابضة بالحياة داخل أسوارها، ضمت أحياءً سكنية، وأسواقاً، ومساجد، ومقامات، وكنائس، لتكون شاهدا على التعدد الثقافي والديني الذي عُرفت به كركوك عبر القرون. وما تزال معالمها التراثية، بما فيها الأزقة القديمة والمباني التاريخية، تحتفظ بجزء من ملامحها رغم ما تعرضت له من تقادم وإهمال.
وفي السنوات الأخيرة، حظيت القلعة باهتمام متزايد من المؤسسات الوطنية والدولية، إذ أكدت الأمم المتحدة أن الحفاظ على قلعة كركوك وإعادة تأهيلها يمثلان جزءا مهما من حماية التراث الثقافي العراقي، وإحياء ذاكرة المدينة، وترسيخ الهوية المشتركة لسكانها، لتبقى شاهدا حيا على تاريخ لا يخص جيلا واحدا، بل أجيالاً متعاقبة.
إن حماية القلعة ليست مسؤولية الجهات المختصة وحدها، بل هي مسؤولية كل من يؤمن بأن الحضارة ذاكرة الشعوب، وأن الحفاظ على الشواهد التاريخية هو حفاظ على هوية الإنسان نفسه. فالأمم التي تصون آثارها إنما تصون صفحاتها الأولى، وتمنح أبناءها فرصة للتعرف إلى جذورهم والانطلاق بثقة نحو المستقبل.
وكركوك، بما تضمه في أراضيها من شعب متعدد القوميات والأديان والمذاهب، تنتمي إلى تاريخ عريق يستحق أن يُروى وأن يُصان. فلا يمكن أن نفهم حاضرها من دون أن نقرأ ماضيها، ولا أن نحافظ على هويتها من دون أن نحفظ إرثها. فهذه الأرض شهدت، على مدى آلاف السنين، تلاحماً إنسانياً ووجدانياً بين ساكنيها، وما تزال حجارة قلعتها تروي للأجيال حكاية مدينةٍ اختارت أن تبقى واقفة، مهما تعاقبت عليها الأزمنة.

0 تعليقات