عراق

التُكتُك. بقلم عبدالحميد ال كلوت



بقلم عبدالحميد آل كلوت  
 
________
كنتُ أمتطي رِجلاي وأنا اتجولُ بالقرب من سوق السراي بعدَ أن تَجولتُ في باحة المدرسة المستنصرية وعندَ وصولي الى الساحةُ المقابلةُ لِجسر الشهداء وعندَ التقاطع مع شارع الرشيد ، وإذا بي وجهاً لِوجه مع تمثالٍ لعملاقٍ مِن عمالقةِ الشعر العراقي ، إنهُ الشاعر معروف عبدالغني الرصافي الذي سُميت الساحة بِإسمه (ساحة الرصافي) ، إنعِطفتُ قليلاً ودخلتُ في شارع المتنبي المُكتَظ دائماً بِبَيادر الكُتب وكأنهُ أرضٌ دائمة الإنتاج لاتُوقِفُ ديمومةُ إنتاجها المواسم ، رُحتُ أغوصُ في عناوين الكُتبِ المُتناثرةُ في كلِّ مكان ، حِيطانٌ زَيَّنتها الكتب وأرصِفَةٌ كُسِيَت كُتُباً ، منظرٌ جميل لِمَن يحِبُ القراءة ، قَضَّيتُ ساعاتٍ وأنا أجولُ بنظري مُتَنَقِلاً مابين (الوجود والعدم ) لسارتر و(مهزلة العقل البشري) لعلي الوردي و(المقدمة) لأبن خلدون ، وإلى ألافِ الكتب والعناوين ، وأنا أبحثُ في العناوين لَفَتَ إنتباهي كتابٌ عنوانه (علاج النسيان ) لمؤلفهِ محمود الشرقاوي ، قررتُ أن أبتاعهُ بعدَ أن أُكمل جولَتي التي لن تتكرر مرةً أُخرى إلا بعدَ حين ، بَعدَ أن أخذَ التعبُ مِني مأخَذَهُ جَلَستُ في مقهى الشابندر لِأرتشف فنجاناً مِن القهوةِ وأُرِيحُ قَدَماي قليلاً ، إنطلقتُ في جولةٍ ثانية وقررتُ أن أُنهي مِشواري ، وَبِما إنهُ لَديَّ رغبةٌ بِركوب التُكتُك فقد إتَّخذتُ قراراً أن أستأجرَ تُكتُكاً لِيوصِلَني الى حيثُ أُريد ، قبلَ ان أُكلِمَ صاحب التُكتُك تَذكرتُ إني نَسيتُ شراء ذلك الكتاب الذي يتحدثُ عن النسيان ، فَرَجعتُ وأنا أحثُ الخُطى لِشرائه ، يا إلهي لقد نَسِيتُ أينَ وجدتهُ وبعدَ جُهدٍ جهيد عثرتُ على مكانه ، اشتريتهُ وعُدتُ مُسرِعاً وإمتَطيتُ صهوة التُكتُك ، وبينما كان ذاك الشاب يُدخِلُني في زُقاق ويُخرِجُني مِن آخر كنتُ أُقَلِبُ صفحات صديقي الجديد الذي سيُخلِصُني مِن النسيان ، وضعتهُ بجانبي وأنا أُمتِعَ نظري بما أُشاهِدهُ مِن مناظرٍ مُختلِفة ، تَوَقَف التُكتُك بعدَ أن أرخى عِنانهُ فارسهُ ، لقد وصلنا ياأستاذ ، أخرجتُ محفظتي وإمتَشقتُ ورقةً نقدية إعطيتها لهُ ومعها كلمة شُكر ، دخلت البيتَ مُتعَباً وَإستلقيتُ على فِراشي وأبحرتُ بنومٍ عميق ، حينَ إستَيقَظتُ مِن نومي ناديتُ إبني أن يجلِبَ لي الكتاب لِأستمتِعَ وأستفادُ مِن معلوماته ، اجابني إبني لايوجد كتاب يا أبي ، كيفَ لايوجد لقد إشتريتهُ وجلبتهُ معي ، ما إسمُ الكتاب يا أبي ، إنهُ كتابٌ عن النسيان ( علاج النسيان ) ، لايوجد هكذا كتاب يا ابي يبدو إنكَ نَسيِتَهُ في مكانٍ ما مثل كلِّ مرة فأنتَ كثيرُ النسيانُ يا أبي ، آآه فعلاً لقد نسيتهُ في التُكتُك تباً للنسيان ، وفي المساء وأنا أُشاهدُ نشرة الأخبار المحلية سمعتُ تلك المذيعةُ تَقرأُ خبراً عن عثور الشرطةِ على تُكتُكاً متروكاً في أحد الطرقات ، وبعدَ التحقيقات رَجَّحَت الشرطة فرضية نسيان صاحبُ التُكتُك لِتُكتُكهِ ، يبدو إن المسكين إنشَغَلَ بِقراءة كتاب علاج النسيان وتأثرَ بهِ كثيراً .
__________________

__________________

__________________

إرسال تعليق

0 تعليقات