المراحل التاريخية لنضال تركمان العراق من أجل البقاء (1921–2026)
يمكن تقسيم مسيرة نضال تركمان العراق الممتدة لنحو قرن من الزمن، في ضوء الظروف السياسية وسياسات الدولة وردود فعل المجتمع التركماني، إلى ست مراحل تاريخية رئيسية.
أولاً: مرحلة التأسيس والمقاومة والبقاء (1921–1959)
تمتد هذه المرحلة منذ تأسيس الدولة العراقية وحتى مجزرة كركوك عام 1959، وتُعد من أصعب المراحل التي خاض فيها التركمان نضالاً للحفاظ على وجودهم وهويتهم.
أبرز الأحداث
- 1921: تأسيس المملكة العراقية وتراجع النفوذ السياسي للتركمان داخل الدولة الجديدة.
- 1920 أحداث تلعفر: العمليات العسكرية التي استهدفت أهالي تلعفر بسبب مقاومتهم للاحتلال البريطاني.
- 1924 مجزرة كركوك (حادثة قوات الليفي): هجوم قوات الليفي الآشورية التابعة للإدارة البريطانية على التركمان في كركوك.
- ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي: إبعاد التركمان تدريجياً عن مؤسسات الدولة والمناصب الحكومية.
- 1946 حادثة كاورباغي (Gâvurbağı): إطلاق النار على المتظاهرين والعمال في كركوك، مما أدى إلى استشهاد عدد من التركمان.
- 1959 مجزرة كركوك: وقعت عقب ثورة 14 تموز، وتُعد من أكبر وأبشع المجازر في تاريخ تركمان العراق.
سمة المرحلة
تميزت هذه المرحلة بنضال التركمان من أجل الحفاظ على وجودهم المادي، وهويتهم القومية، ومدنهم التاريخية.
⸻
ثانياً: مرحلة الصحوة القومية والتنظيم (1959–1968)
أحدثت مجزرة كركوك عام 1959 تحولاً عميقاً في الوعي القومي لدى التركمان، وأسهمت في انطلاق مرحلة جديدة من العمل الوطني المنظم.
أبرز التطورات
- تنامي الوعي القومي.
- اتساع النشاطات الثقافية.
- تطور التعليم والإعلام.
- ازدياد دور المثقفين والشباب في العمل التنظيمي.
سمة المرحلة
شهدت هذه المرحلة بداية الدفاع المنظم عن الهوية القومية التركمانية بالمفهوم الحديث.
⸻
ثالثاً: مرحلة حكم البعث الأولى والانتقال من الأمل إلى القمع (1968–1972)
مع وصول حزب البعث إلى السلطة، ظهرت في البداية مؤشرات إيجابية تجاه التركمان.
أبرز التطورات
- منح بعض الحقوق المحدودة للتعليم باللغة التركمانية.
- السماح ببعض الأنشطة الثقافية.
- افتتاح عدد من المدارس التركمانية.
إلا أن هذه السياسة لم تستمر طويلاً، وسرعان ما تبدلت إلى سياسة قمعية.
سمة المرحلة
مرحلة انتقالية قصيرة عاش فيها التركمان أملاً محدوداً قبل أن تبدأ موجة جديدة من القمع.
⸻
رابعاً: مرحلة القمع والإعدامات وسياسات التعريب (1972–1991)
تُعد هذه المرحلة من أكثر المراحل قسوة في تاريخ تركمان العراق.
أبرز التطورات
- حظر النشاطات السياسية التركمانية.
- اعتقال أعداد كبيرة من المثقفين والشباب.
- إعدام عدد من القيادات والناشطين التركمان.
- تطبيق سياسة التعريب بشكل ممنهج، ولا سيما في كركوك والمناطق التركمانية.
- توطين آلاف العائلات العربية في كركوك.
- مصادرة أراضي وممتلكات التركمان.
- إرسال أعداد كبيرة من الشباب التركماني إلى جبهات الحرب العراقية الإيرانية.
- فرض سياسة “تصحيح القومية”، وإجبار التركمان على تسجيل أنفسهم كعرب في السجلات الرسمية بهدف طمس هويتهم القومية.
سمة المرحلة
لم تكن هذه المرحلة مجرد مرحلة قمع سياسي، بل مثلت مشروعاً منظماً لاستهداف الهوية التركمانية وتغيير التركيبة السكانية للمناطق التركمانية.
⸻
خامساً: مرحلة التنظيم السياسي وبداية الانفتاح (1991–2003)
بعد حرب الخليج عام 1991 وإنشاء المنطقة الآمنة في شمال العراق، دخل التركمان مرحلة جديدة من النشاط السياسي والثقافي.
أبرز التطورات
- توسع نشاط الأحزاب السياسية التركمانية.
- افتتاح المدارس التركمانية.
- تطور الإعلام التركماني.
- تأسيس العديد من مؤسسات المجتمع المدني.
- تنشيط الحركة الثقافية التركمانية.
إلا أن كركوك وبقية المناطق التركمانية بقيت تحت سيطرة نظام صدام حسين، واستمرت فيها سياسات القمع والتعريب.
سمة المرحلة
للمرة الأولى تمكن التركمان من ممارسة نشاط سياسي وثقافي أكثر حرية، وإن كان ذلك في نطاق جغرافي محدود.
⸻
سادساً: مرحلة الحقوق الدستورية والنضال من أجل التمثيل السياسي (2003–2026)
أدى سقوط نظام صدام حسين عام 2003 إلى دخول العراق مرحلة سياسية جديدة.
أبرز التطورات
- الاعتراف بالتركمان بوصفهم المكوّن القومي الثالث في العراق.
- منح اللغة التركمانية صفة اللغة الرسمية في بعض الوحدات الإدارية التي يشكل فيها التركمان كثافة سكانية.
- زيادة عدد المدارس التركمانية.
- افتتاح أقسام للدراسات التركمانية في الجامعات.
- حصول التركمان على تمثيل في البرلمان والحكومة.
إلا أن العديد من التحديات بقيت قائمة، ومنها:
- استمرار أزمة كركوك دون حل.
- استمرار التغييرات الديموغرافية.
- عدم حصول التركمان على تمثيل سياسي يتناسب مع حجمهم السكاني.
- استمرار المشكلات في مجالات الأمن والإدارة والتوظيف.
- تعرض المناطق التركمانية، ولا سيما تلعفر، لدمار واسع نتيجة هجمات تنظيم داعش عام 2014.
- ورغم المتغيرات السياسية بعد عام 2017، فإن جزءاً كبيراً من المطالب القومية التركمانية ما زال دون تحقيق.
سمة المرحلة
انتقل نضال التركمان في هذه المرحلة من الكفاح من أجل البقاء إلى النضال من أجل ترسيخ الحقوق الدستورية، والتمثيل السياسي، وحماية الهوية، وتطوير التعليم والثقافة.
⸻
التقييم العام
يمكن تلخيص مسيرة نضال تركمان العراق خلال القرن الماضي في ثلاثة محاور رئيسية:
- 1921–1959: مرحلة البقاء والدفاع عن الوجود.
- 1959–1991: مرحلة الصحوة القومية ومقاومة القمع وسياسات الصهر والتعريب.
- 1991–2026: مرحلة النضال من أجل الحقوق الدستورية، والتمثيل السياسي، وبناء المؤسسات.
إن نضال تركمان العراق لم يكن مجرد مطالبة بحقوق أقلية، بل كان ولا يزال نضالاً للحفاظ على الهوية القومية، واللغة، والتاريخ، والأرض، وضمان مستقبل الأجيال القادمة. ولا تزال هذه المسيرة مستمرة حتى اليوم بأدوات سياسية وقانونية وثقافية وسلمية
ازاد كورچى

0 تعليقات