الحقوقي زكريا بسطاملى اوغلو




في عمق العراق الشمالي، وتحديدًا على الضفة الجنوبية من نهر "آق صو"، تتربع قرية بسطاملي، شامخة بتاريخها، غنية بثقافتها، وأصيلة بهويتها التركمانية. تقع هذه القرية غرب قضاء طوزخورماتو ضمن محافظة صلاح الدين، وتحيط بها من الشمال قرية حليوة، ومن الغرب حبيب دهره‌سي، ومن الجنوب كوجوك بسطاملي، ومن الشرق قرى شاهين تبه‌سي، دونبلان دهره‌سي، جرداغلي، بير أحمد، عبود، صياد، وقرة ناز.

الاسم والمعنى



كلمة "بسطاملي" تُلفظ بالأصل "بستانلي"، وتعني "صاحب البستان" باللغة التركمانية. جاءت هذه التسمية من واقع حياة سكان القرية الذين اشتهروا بزراعة المحاصيل الصيفية على ضفاف نهر آق صو، خاصة في المناطق التي تنسحب منها المياه صيفًا، ما يجعلهم مميزين عن القرى المجاورة. وقد سُجّل هذا الاسم رسميًا في دفاتر النفوس والإحصاء العام لسنة 1974.

السكان والنمو

أشار تقرير بريطاني صادر عام 1917 إلى أن القرية كانت تتألف آنذاك من حوالي 200 عائلة، لكن عدد السكان تزايد بشكل مستمر حتى بلغ اليوم أكثر من 1750 عائلة، ويقدر عدد سكانها بما يزيد عن 9000 نسمة، مع وجود عدد كبير من أبناءها يقيمون في كركوك، داقوق، طوز، ومناطق متفرقة من محافظة صلاح الدين.

التعليم والثقافة

تُعرف بسطاملي بكونها من القرى المتعلمة في المنطقة، إذ تضم نسبة عالية من الموظفين، الأطباء، المهندسين، والمعلمين، إلى جانب عدد كبير من خريجي المعاهد والجامعات، وهذا يرجع إلى تأسيس أول مدرسة ابتدائية فيها منذ عام 1924، مما وضع الأساس لنهوض علمي واجتماعي متقدم.

المرافق الدينية والتعليمية

كانت القرية تضم خمس مدارس، وخمسة جوامع، وحسينية واحدة، إلى أن تعرضت لتدمير شبه كامل بعد أحداث عام 2014، إذ فقدت معظم بناها التحتية من مؤسسات تعليمية وخدمية ودينية.

الهوية الثقافية والزي التقليدي
الشهيد التركماني الأول في منطقة البيات – إسماعيل حبيب سفر
في عام 1917، ومع دخول القوات البريطانية إلى منطقة البيات، سُجّلت أولى صفحات الشهادة للتركمان في قرية بسطاملي، حيث استُشهد إسماعيل حبيب سفر، أحد أبناء القرية الأوفياء، بسبب تمسكه بهويته القومية.
حين أُوقف مع صديقه العربي وسُئل عن قوميتهم، أجاب صديقه: "أنا عربي"، فلم يُمسّ، أما جدي إسماعيل فقال بفخر: "أنا تركماني"، فكان مصيره الشهادة على يد قوات تلك المرحلة، فقط لأنه تكلّم بلغته وأصر على انتمائه.
المكان الذي استُشهد فيه لا يزال يُعرف حتى اليوم باسم "إسماعيل أولن"، تخليدًا لذكراه، وهو شاهد حيّ على تاريخ بسطاملي وهويتها التركمانية العريقة.
هذه القصة تظلُّ دليلًا دامغًا على تركمانية المنطقة، وعلى ما قدّمه أبناؤها من تضحيات في سبيل الحفاظ على لغتهم وهويتهم
تحتفظ بسطاملي بهويتها التركمانية، ولهجتها قريبة من لهجة طوزخورماتو وكركوك، أما زي الرجال التقليدي فيتكون من: صاية، زوبون، جاكيت، ورأس تركماني يسمى "جراوية"، وهناك زي خاص للعمل يُعرف بـ"كويه نك". أما النساء، فيرتدين زوبون فوق الثوب و"جه‌ره‌كه" التي تتحول إلى بيشتمال أثناء المناسبات والأفراح.




الزراعة والأرض

تمتد بسطاملي على مساحة تبلغ (16569) دونمًا، مقسمة إلى ثلاثة أنواع من الأراضي:

  1. الأراضي الزراعية المروية (9000 دونم) التي تعتمد على مياه نهر آق صو، وتحمل تسميات محلية مثل: "عمر لوله سي"، "قره سه‌لو"، "كومبت"، "قويلو حيارة"، "أنه‌ج"، و"حلفان".

  2. الأراضي الديمية (5882 دونم) التي تعتمد على الأمطار، وتقع جنوب غرب القرية.

  3. أراضي الرعي (1687 دونم) وهي أراضٍ جبلية وتلال ووديان جرداء تُستخدم لرعي المواشي.

كما تُشتهر بسطاملي بزراعة اللّوبيا (العوين)، خاصة في بستان شاي، إضافة إلى نشاطها الرياضي المعروف في كرة الطائرة.

العمل الاجتماعي والخيري

من أبرز ما يُميز أهالي بسطاملي روحهم التعاونية العالية. ففي عام 1955، أسس مجموعة من المعلمين الأوائل جمعية خيرية تهدف إلى:

مساعدة العوائل المحتاجة.

دعم الطلاب الجامعيين.

الحفاظ على المرافق العامة.

وكان من المؤسسين:
المرحوم الأستاذ إبراهيم حسين، الأستاذ أنور حمد، الأستاذ نعمان شريف، الأستاذ عثمان شريف، الأستاذ علي عسكر، والحاج جابر مردان – واستاذ خورشيد سعيد رحمهم الله جميعًا.

واليوم، تسعى الجمعية إلى إعادة إحياء دورها التاريخي بنفس القيم والمبادئ، متخذة شعارها من قوله تعالى:
"وتعاونوا على البر والتقوى".

ختامًا

إن بسطاملي ليست مجرد قرية تركمانية على ضفاف نهر، بل هي قصة هوية، ومثال للتكاتف المجتمعي، وعنوان للعلم والعمل. قبل أن ينطفئ سراج التعاون في هذه القرية الأصيلة، نسقيه بزيت المحبة والعزم، ونعمل جميعًا بيد واحدة من أجل أن تبقى بسطاملي منارة مضيئة في قلب العراق.

الحقوقي زكريا سمين محمد
ماجستير قانون عام