عراق

حين تُصبح السرعة عدوّا للإنسان





بقلم رائد الرّواق

في زمنٍ تُقاس فيه الإنجازات بالدقائق، ويُختزل النجاح بعدد المهام المنجزة في اليوم الواحد، أصبح الإنسان يعيش سباقاً لا يعرف نهايته. نستيقظ على عجل، نعمل على عجل، نأكل على عجل، وحتى مشاعرنا أصبحت تُستهلك بسرعة ثم تُنسى بسرعة أكبر.
لقد منحتنا التكنولوجيا وسائل مذهلة لاختصار الوقت، لكنها في المقابل سرقت منّا متعة التمهّل. أصبحنا نقرأ العناوين بدل المقالات، ونشاهد المقاطع القصيرة بدل الأفلام الوثائقية، ونكتفي بالرسائل السريعة بدل الجلسات الطويلة التي كانت تصنع الذكريات.
المشكلة ليست في السرعة ذاتها، بل في تحوّلها إلى أسلوب حياة دائم. فالإنسان يحتاج أحيانًا إلى البطء كي يفهم ذاته، ويحتاج إلى الصمت كي يسمع أفكاره، ويحتاج إلى التأمل كي يدرك قيمة ما يملكه قبل أن يفقده.
لقد اعتدنا الركض خلف المستقبل حتى نسينا أن للحاضر حقاً علينا. نخطط للغد، ونؤجل السعادة إلى موعدٍ آخر، ثم نكتشف بعد سنوات أن أجمل ما في الحياة كان يمرّ أمامنا كل يوم دون أن نلتفت إليه.
إن التقدّم الحقيقي لا يعني أن نعيش أسرع، بل أن نعيش أعمق. وأن نمنح الأشياء وقتها الطبيعي؛ وقتاً للعائلة، ووقتاً للأصدقاء، ووقتا للقراءة، ووقتا للجلوس مع النفس بعيدًا عن ضجيج العالم.
ربما لا نستطيع إيقاف عجلة الزمن، لكننا نستطيع أن نختار سرعتنا الخاصة. فليس كل من يركض يصل أولًا، وليس كل من يتأخر يكون خاسرا. أحياناا  يكون التمهّل هو الطريق الأقصر للوصول إلى حياة أكثر اتزانًا وطمأنينة.
وفي عالمٍ يزداد ضجيجاً كل يوم، قد يكون أعظم إنجاز يحققه الإنسان هو أن يحتفظ بسلامه الداخلي.

إرسال تعليق

0 تعليقات