عراق

البابا فرنسيس ... زيارة السلام الى أرض السلام بقلم مينا القيسي

البابا فرنسيس ... زيارة السلام الى أرض السلام 
بقلم مينا القيسي


أختتم قداسة البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان،  صباح يوم الأثنين، في الثامن من آذار الحالي، زيارته التاريخية الى العراق التي تكللت بالنجاح. 
وتعد الرحلة التي استغرقت أربعة أيام والتي بدأت يوم الجمعة، أول رحلة خارجية للبابا منذ أنتشار وباء كورونا، وأول زيارة بابوية على الإطلاق للبلاد.
على الرغم من ان هناك من نصح البابا في تأجيل الزيارة، الا ان قداسته أصر على هذا السفر وأصراره يدل على شعوره بعمق الدماء التي سالت في العراق فيريد أن يدعو الى السلام والأعتدال، لان مزيد من الصبر يعني مزيداً من أنتشار خطاب التطرف والتفرقة في البلاد.

وعندما وصل الى العاصمة بغداد، تم استقباله بالأهازيج ورقصات من الفلكلور العراقي، بقلوب كبيرة تقول " أهلاً بك يا فرنسيس في بغداد " 
وزار البابا طوال رحلته، كنيسة دار النجاة ومار يوسف في بغداد، ومن ثم توجه الى مدينة النجف الأشرف التي هي ضمن إحدى أهم محطات زيارة الحبر الأعظم الى العراق، في لقاء تاريخي الأول على الأطلاق، يجمع قداسة البابا (الكنيسة الكاثوليكية) مع المرجع الديني الأعلى السيد "علي السيستاني" شكر فيه البابا فرنسيس السيستاني على موقفه المشرف تجاه مسيحيي العراق والقوميات كافة، ونبذه للعنف والكراهية ودعمه المستمر للأصلاح، وناقش معه وضع الأقلية المسيحية في البلاد، كما أكد السيستاني في اللقاء المغلق الذي دام حوالي ساعة، على أهتمامه بأن يعيش المواطنون المسيحيون في أمن وسلام كسائر العراقيين. ولا يجمع بين الشخصيتين قيم التسامح فقط، أنما أيضاً التقوى والتواضع والزهد، ومن شأن هذا اللقاء ان يوعي المواطنين على مدى تقارب الأديان من بعضها؛ كونها جميعها تدعو الى الأنسانية.
من بعد النجف، زار البابا أور الأثرية في ذي قار، التي تعتبر موطن ولادة نبي الله أبراهيم الخليل، والقى خطاباً في "زقورة الأثرية" ينص على عدم ترك الأرهاب ينتهك حرمة الدين، وقام بصلاة مشتركة جمعت ممثلين عن طوائف العراق الدينية، وركز البابا في خطابه على المكون الأزيدي في العراق وضرب مثالاً في معاناتهم.
 كما تجول في شوارع مدينة الموصل المنكوبة، التي كانت في وقت سابق تحت سيطرة التنظيم الارهابي. أما في بلدة قرقوش جنوب شرق الموصل أقام بابا الفاتيكان قداساً دعا خلاله الى ترميم الأواصر في المجتمع قبل ترميم الأبنية.
وفي يومه الأخير، أقام البابا قداساً في ملعب فرانسوا حريري في أربيل، وسط حضور الالآف من الجماهير المحتشدة الذين جاءوا من داخل الأقليم وخارجه.

تعد زيارة البابا فرنسيس الى العراق مهمه جداً لما لها من تأثير ايجابي كبير على المكون المسيحي للعراق، كما أن المناطق التي زارها كانت على وفق أختيار معنوي ورمزي، أيضاً الكنائس التي عمل فيها صلوات وقداديس هي كنائس مختارة بعناية وبدقة لتسليط الضوء على الكنيسة العراقية وما تعرضت له هي والأماكن التراثية والتاريخية من  تدمير على يد المتطرفين، و يمكن للزيارة ان تنعكس أيجاباً لتحفيز المهتمين على تقديم المساندة اللوجستية والمادية.
كما أضافت الى المسيحيين قوة كبيرة، من خلال  حملها لرسائل الدعم المعنوية والأيجابية، التي تدعم وجودهم في العراق وتوقف نزيف هجرتهم الى الخارج وتشد على ضرورة ترسيخهم في أرضهم وبلدهم، كونهم جزء أساسي من نسيج المجتمع وبقاءهم مهم في البلاد على اعتبارهم مكون رئيسي، والموضوع لا يتعلق بالعدد أنما النوع الذي يمثل هذا المكون.

وكان تأكيد البابا فرنسيس يتمحور حول مجال تدعيم قيم التسامح والأعتدال، لان قيمة الأديان تعتمد على كمية المبادئ الأنسانية التي تتنباها، وهذا ما يفرض على العراقيين والحكومات الحفاظ على تنوعهم وعلى القيم الحاضنة لهذا التنوع، ونشر ثقافة تقبل التركيبة السكانية والاجتماعية للبلاد التي تحمل العديد من القوميات والمذاهب والأديان، لأن غياب التنوع يعني غياب هوية العراق التي يمتاز بها. كما ان هناك ضرورة في تغيير الصورة النمطية المرسومة للعراق التي باتت مرتبطة بالحروب والدمار لأن العالم في الوقت الحالي صار ينظر الى العراق بطريقة ايجابية عكس النظرة السلبية السابقة.

 أذن، زيارة البابا جاءت كتذكير بقيمة البلاد الحضارية والأنسانية والثقافية، وبالتأكيد ان هذه الزيارة يمكنها أن تؤسس لمرحلة جديدة في التعامل بين الطوائف الموجودة في العراق وكبح موجة الدوافع المتطرفة الآخذه في الأستفحال.

إرسال تعليق

0 تعليقات