من طفلة تبكي في زاوية درس الرياضة إلى شاعرة وفنانة وصحفية وسفيرة للسلام
حاورتها: نوران ارسلان
ليست كل الحكايات التي تبدأ بالألم تنتهي عنده، فبعضها يجد طريقاً آخر إلى الحياة، ويتحول فيه العجز عن الركض إلى قدرة على الوصول بوسائل أخرى.
أيسر عبد الوهاب محمد البياتي، ابنة كركوك، واحدة من تلك التجارب التي لا يمكن اختصارها بلقب أو شهادة أو عدد من الجوائز. أديبة وشاعرة وفنانة تشكيلية وصحفية ومصممة ومدربة، حملت صفة سفيرة للنوايا الحسنة والسلام، وخاضت تجارب متعددة في الأدب والفن والإعلام والعمل المجتمعي.
واجهت منذ طفولتها تحديا حركياً غيّر تفاصيل حياتها، لكنها واصلت طريقها، وأقامت عشرات المعارض، وأصدرت عددا من المؤلفات، وشاركت في مهرجانات وفعاليات داخل العراق وخارجه، وعملت في الصحافة والإعلام.
في هذا الحوار، لا نبحث عن أيسر صاحبة الألقاب بقدر ما نقترب من أيسر الإنسانة؛ من طفلة كانت تجلس في زاوية درس الرياضة تراقب أقرانها وهم يركضون، إلى امرأة تقول اليوم:
«إعاقتي جزء من قصتي، لكنها ليست كل قصتي».
📌 بعيداً عن الألقاب والتكريمات، من هي أيسر عبد الوهاب الإنسانة كما تحب أن يعرفها الجمهور؟
بعيداً عن الألقاب والتكريمات، وبعيداً عن عدد الكتب والمعارض والشهادات، هناك أيسر أخرى ربما لا يعرفها الجمهور كثيراً ... أيسر الإنسانة.
أنا امرأة أحب الحياة، رغم أن الحياة لم تكن دائماً رحيمة بي. أحب أن أضحك، وأن أمزح، وأن أعيش اللحظة الجميلة مهما كانت بسيطة. أحب الكلمة الطيبة، وأفرح عندما أرى إنسانا سعيداً بسببي، حتى لو كان ما قدمته له مجرد كلمة أو ابتسامة.
أنا لست إنسانة كاملة، ولست دائماً قوية كما يظن البعض. أتعب، وأحزن، وأشتاق، وأحيانا أشعر أنني بحاجة إلى من يقول لي: «لا بأس... أنا إلى جانبك».
لكنني تعلمت ألا أجعل حزني يؤذي الآخرين، وأن الإنسان يستطيع أن يحمل وجعه في قلبه، وفي الوقت نفسه يمنح الآخرين الأمل.
أنا أيسر التي تحب الناس ببساطتهم، ولا تقيس الإنسان بمنصبه أو ماله أو لقبه. أحب الإنسان الذي يحترم الإنسان، والذي لا يتغير عندما يصبح صاحب منصب، ولا يتكبر عندما ينجح.
أحب كركوك؛ لأنها ليست مجرد مدينة بالنسبة لي، إنها جزء من ذاكرتي وروحي وحكاياتي. وأحب العراق رغم كل ما فيه من تعب، لأن الوطن بالنسبة لي ليس مسؤولاً أخطأ، ولا شارعًا متعبًا، ولا مؤسسة قصّرت... الوطن هو الناس الطيبون الذين ما زالوا يقولون: «إن شاء الله غدًا أفضل».
أنا أيسر التي تؤمن بأن الكلمة مسؤولية. لذلك عندما أكتب عن أصحاب الهمم، أو المرأة، أو الفقراء، أو المبدعين المهمشين، فأنا لا أكتب لأظهر في الصورة، وإنما لأنني أعرف أن هناك إنسانًا قد لا يستطيع إيصال صوته، وأحاول أن أكون صوته.
و أحيانا أكتب عن الفرح، وأحيانا عن الحب، وأحياناً عن الحزن؛ لأنني في النهاية إنسانة قبل أن أكون شاعرة أو صحفية أو فنانة.
ربما يظن البعض أنني امرأة قوية لا تحتاج إلى أحد، والحقيقة أنني قوية لأنني اضطررت إلى أن أكون قوية، وليس لأنني لا أتعب.
وفي داخلي طفلة ما زالت تحب الأشياء البسيطة: كلمة جميلة، وردة، أغنية، فنجان قهوة، جلسة صادقة، وضحكة تأتي من القلب.
و أحيانا ، عندما لا أملك شيئاً سوى خيالي، أصنع منه عالماً كاملاً ... أكتب، وأحلم، وأطير بلا جناحين.
هذه هي أيسر التي أتمنى أن يعرفها الجمهور. لا أريد أن يعرفوني فقط بما أنجزت، أريد أن يعرفوا قلبي، وأن يعرفوا أن وراء كل كلمة أكتبها إنسانة عاشت الكثير، لكنها اختارت أن تبقى محبة للحياة.
وإذا بقي مني شيء في ذاكرة الناس، فلا أريده لقباً ولا وساما، أريده جملة واحدة:
«كانت أيسر إنسانة طيبة، حاولت أن تترك أثراً جميلاً في حياة من حولها».
وهذا، بالنسبة لي، أجمل تكريم.
📌 منذ طفولتكِ واجهتِ تحديات حركية جعلت تجربتكِ مختلفة عن أقرانكِ؛ ماذا صنعت تلك المرحلة في شخصيتكِ؟
لم أختر أن تكون طفولتي مختلفة، ولم أفهم وأنا صغيرة لماذا لا أستطيع أن أركض وألعب مثل بقية الأطفال.
كنت في عمر سنتين أو ثلاث سنوات عندما أصبت بارتفاع شديد في الحرارة. وتروي عائلتي أن ذلك جاء بعد واقعة اعتقدوا في حينها أنها مرتبطة بالحسد. اشتدت حرارتي كثيراً ، فأخذتني والدتي إلى الطبيب وأعطاني حقنة، وفي اليوم التالي تغير كل شيء في حياتي؛ أصبت بمشكلة شديدة في الحركة، ولم أعد أستطيع تحريك ساقيّ كما كنت من قبل.
لا أذكر كل تفاصيل تلك الأيام، لكنني أعرف ما روته لي أمي، وما بقي في ذاكرتي من ألم تلك المرحلة.
صرخت وبكيت، وخضعت لعمليات وعلاجات كثيرة. وكانت والدتي تفعل المستحيل من أجلي، حتى إنها باعت سلسلة ذهبية كانت تملكها لتوفر تكاليف علاجي. كانت أمي تقاتل من أجلي بطريقتها، ولم تجعلني أشعر يومآ أنني أقل من الآخرين.
وفي فترة من طفولتي كنت أزحف على الأرض لأنني لم أكن أستطيع المشي.
ثم جاء أبي ذات يوم بعكازة. كان يحبني كثيراً ، وكان قريباً مني، فأمسك بيدي وبدأ يساعدني على الوقوف والمشي. لم يكن يريدني أن أستسلم. كان يشجعني خطوة بعد خطوة، وكان أيضاً أول من علمني حروف اللغة العربية قبل أن أدخل المدرسة.
أتذكر المدرسة جيداً. كنت أذهب مثل بقية الأطفال، لكنني لم أكن أعيش طفولتهم نفسها. أحياناً أسقط في الوحل، وأحيانا أتألم وأبكي، وكان أصعب شيء بالنسبة لي درس الرياضة.
كان الأطفال يركضون ويلعبون، وأنا أجلس في زاوية وأبكي، ليس لأنني لا أحب اللعب، وإنما لأنني كنت أتمنى أن أشاركهم ولا أستطيع.
كنت طفلة وأسأل نفسي: لماذا أنا؟
لكنني اليوم، عندما أنظر إلى تلك الطفلة، لا أشعر بالشفقة عليها، بل أشعر بالفخر بها.
تلك الطفلة التي كانت تبكي في زاوية الملعب لم تكن تعرف أنها ستكبر يوماً وتحاول أن تجعل صوتها مسموعاً، وأن تكتب وترسم وتشارك وتدافع عن الأطفال والنساء وأصحاب الهمم، وكل إنسان يشعر بأنه مهمش أو غير مرئي.
ربما أخذت مني الإصابة أشياء كثيرة، لكنها علمتني أشياء أخرى لا تُشترى.
علمتني الصبر، وعلمتني أن الإنسان لا يُقاس بقدرته على الركض، وإنما بقدرته على الاستمرار، وأن كلمة «لا أستطيع» لا ينبغي أن تكون نهاية الحكاية.
واليوم، عندما أتذكر أمي وهي تبيع ما تملك من أجل علاجي، وأبي وهو يمسك بيدي ليعلمني المشي والقراءة، أعرف أن وراء أيسر التي يعرفها الناس اليوم أماً ضحت وأباً آمن بابنته.
ولهذا أقول دائماً :
«أنا لم أولد قوية... لكن الحياة علمتني كيف أصبح قوية».
وما زالت تلك الطفلة التي كانت تبكي في زاوية درس الرياضة تعيش بداخلي، لكنها اليوم لا تبكي لأنها لا تستطيع اللعب مع الأطفال... بل تبتسم لأنها استطاعت أن تصنع لنفسها مكاناً في الحياة.
📌 أيهما كان أصعب عليكِ: التحدي الجسدي نفسه، أم نظرة المجتمع إلى الأشخاص ذوي الإعاقة؟
في الحقيقة، التحدي الجسدي كان مؤلماً، لكن نظرة المجتمع أحياناً كانت أكثر ألماً.
الإنسان يستطيع أن يتعايش مع ظروفه ويتعلم كيف يتعامل معها، لكن عندما ينظر إليه الآخرون بنظرة شفقة أو يقللون من قدراته، يشعر وكأنه مطالب كل يوم بأن يثبت أنه إنسان قادر وله قيمة.
أنا لا أريد من المجتمع شفقة، أريد احتراما وفرصة.
لا أريد أن يقولوا: «مسكينة أيسر لأنها من أصحاب الهمم»، بل أريد أن يقولوا: «هذه أيسر، شاعرة وفنانة وصحفية وإنسانة لها ما لها وعليها ما عليها».
📌 هل مرّت عليكِ لحظة شعرتِ فيها أن الظروف ستمنعكِ من الوصول إلى أحلامكِ؟ وما الذي جعلكِ تواصلين؟
نعم، مرّت بي لحظات كثيرة شعرت فيها أن الطريق مغلق.
كنت أرى الآخرين يتحركون بسهولة، بينما كان عليّ أن أبذل جهداً مضاعفاً لأصل إلى المكان نفسه.
لكنني كنت أقول لنفسي دائمًا: «إذا أغلقت الحياة باباً، سأبحث عن نافذة».
والذي جعلني أواصل هو إيماني بالله أولاً ، ثم إيماني بنفسي، ودعم والديّ لي منذ طفولتي.
أبي علمني أن أحاول، وأمي علمتني معنى التضحية، وهذان الشيئان بقيا معي طوال حياتي.
📌 هل يزعجكِ أن يسبق الحديث عن إعاقتكِ الحديث عن موهبتكِ، أم ترين أن تجربتكِ جزء من قصة نجاحكِ ولا يمكن فصلها عنكِ؟
لا أخجل من تجربتي، ولا أريد إخفاءها، لكنني لا أريد أن تكون إعاقتي هي العنوان الوحيد لي.
أنا أيسر الإنسانة قبل كل شيء، ثم الشاعرة والفنانة والصحفية.
إعاقتي جزء من قصتي، لكنها ليست كل قصتي.
ربما صنعت في داخلي الصبر والإصرار، وربما جعلتني أكثر إحساسا بمعاناة الآخرين؛ ولذلك لا أريد أن أفصلها عن تجربتي.
لكنني، في الوقت نفسه، أريد أن يرى الناس موهبتي وجهدي قبل أن يروا كرسيي المتحرك.
📌 من خلال تجربتكِ، هل يحصل الأشخاص ذوو الإعاقة في العراق على الفرص التي يستحقونها في الثقافة والفن والإعلام؟
أعتقد أننا قطعنا خطوات، لكن ما زال الطريق طويلاً .
هناك طاقات كبيرة من أصحاب الهمم في العراق، في الأدب والفن والإعلام والتعليم وغيرها، لكن بعضهم لا يحصل على الفرصة الحقيقية.
نحن لا نريد أبوابا تُفتح لنا مجاملةً، بل نريد أن تُفتح لأننا نستحق أن نكون داخلها.
وأتمنى أن تصبح الفعاليات الثقافية والفنية أكثر تهيئة وإتاحة للجميع، وأن يُنظر إلى أصحاب الهمم باعتبارهم شركاء في المجتمع، لا مجرد ضيوف في المناسبات.
📌 جمعتِ بين الشعر والفن التشكيلي والصحافة والتصميم والتدريب؛ أين تجد أيسر نفسها أكثر؟
أجد نفسي في كل هذه المجالات، ولكن الشعر له مكان خاص جدا في قلبي.
الشعر بالنسبة لي ليس مهنة فقط، بل مساحة أهرب إليها عندما تضيق بي الحياة.
أما الرسم فهو اللغة التي أستخدمها عندما تعجز الكلمات.
والصحافة جعلتني أقترب من الناس وقضاياهم، والتصميم منحني مساحة أخرى لأحوّل الفكرة إلى صورة.
ربما لا أستطيع اختيار مجال واحد؛ لأن كل هذه الأشياء تشبه أجزاء مختلفة من شخصيتي.
📌 عندما تعجز الكلمات عن التعبير، هل تبدأ اللوحة؟ وما الذي يستطيع اللون أن يقوله ولا تستطيع القصيدة قوله؟
نعم، أحياناً تبدأ اللوحة عندما تنتهي الكلمات.
القصيدة تحتاج إلى حروف، أما اللوحة فتستطيع أن تقول الكثير بصمت.
هناك مشاعر لا أعرف كيف أصفها، لكنني أعرف كيف أضعها في لون أو خط أو مساحة.
اللون يستطيع أن يصرخ دون صوت، وأن يحزن دون دمعة، وأن يمنح الأمل دون كلمة.
ولهذا أحياناً أمسك الفرشاة بدل القلم.
📌 أقمتِ عشرات المعارض وشاركتِ في فعاليات داخل العراق وخارجه؛ أي مشاركة أو لوحة بقيت الأقرب إلى قلبكِ؟ ولماذا؟
كل لوحة تركت شيئاً مني، ولذلك من الصعب أن أقول إن هناك لوحة واحدة فقط.
لكن الأعمال التي تحمل قصة إنسانية تبقى الأقرب إلى قلبي.
أنا لا أرسم فقط لأصنع لوحة جميلة، وإنما أحب أن تكون وراء العمل حكاية أو إحساس أو رسالة.
وأكثر الأعمال قربا مني هي تلك التي أشعر، عندما أنظر إليها، بأنني كنت صادقة مع نفسي وأنا أرسمها.
📌 في كتاب «رحلة للمجد» كتبتِ عن شقيقكِ الشهيد؛ كيف استطعتِ تحويل ألم الفقد إلى عمل أدبي؟
الفقد لا يتحول بسهولة إلى كلمات.
عندما فقدت شقيقي، كان الألم أكبر من قدرتي على التعبير. لكنني، مع الوقت، شعرت أن الكتابة يمكن أن تكون طريقة لحفظ ذاكرته، وأن أترك شيئاً يتحدث عنه ويخلد حكايته.
كتبت عنه لأنني لم أرد أن يصبح مجرد اسم في الذاكرة.
أردت أن يبقى حاضراً في الكلمات، وأن يعرف الناس أن وراء كل شهيد عائلة وقصة وقلوبا عاشت الفقد.
📌 بين مؤلفاتكِ وقصائدكِ، هل هناك نص أو كتاب تشعرين بأنه يحمل أيسر الحقيقية أكثر من غيره؟
هناك نصوص كثيرة قريبة مني، لكن أكثر النصوص التي أشعر بأنها تشبهني هي تلك التي أكتب فيها عن الإنسان؛ عن ألمه، وفرحه، وكرامته، وحلمه.
عندما أكتب عن أصحاب الهمم أو المرأة أو الإنسان البسيط، أشعر أنني أكتب من مكان عميق جدا بداخلي.
الحقيقة ليست فقط في قصيدة حب أو لوحة جميلة؛ الحقيقة تظهر عندما تكتب شيئاً تؤمن به حتى لو لم يصفق له أحد.
📌 خضتِ تجربة في الصحافة وإجراء الحوارات وتقديم البرامج؛ ماذا أضاف الإعلام إلى الشاعرة والفنانة أيسر البياتي؟
الإعلام علمني الاستماع قبل الكلام.
عندما تجلس أمام إنسان وتحاوره، تكتشف أن لكل شخص قصة لا تظهر من مظهره.
الصحافة قربتني من الناس ومن مشكلاتهم، وجعلتني أرى المجتمع من زوايا مختلفة.
وأعتقد أن الإعلام جعل كتابتي أكثر واقعية؛ فلم أعد أكتب فقط عما أشعر به، بل أصبحت أكتب أيضاً عما أراه وأسمعه وأعيشه.
📌 أنتِ ابنة كركوك، المدينة متعددة الثقافات والهويات؛ كيف انعكست كركوك على شخصيتكِ وشعركِ ولوحاتكِ؟
كركوك ليست مجرد مكان ولدت وعشت فيه.
كركوك ذاكرة.
فيها لغات وثقافات وناس وبيوت قديمة وحكايات لا تنتهي.
وأنا ابنة هذه المدينة؛ ولذلك تظهر كركوك في كتاباتي ولوحاتي حتى عندما لا أذكر اسمها.
علمتني كركوك أن الاختلاف يمكن أن يكون جمالا ، وأن الإنسان يستطيع أن يحافظ على هويته ويحترم، في الوقت نفسه، هويات الآخرين.
وأتمنى دائماً أن تبقى كركوك مدينة تجمع أبناءها بالمحبة والسلام.
📌 تحملين صفة سفيرة للسلام والنوايا الحسنة؛ ماذا يعني السلام لكِ كامرأة عاشت تحدياتها في العراق، بعيداً عن الألقاب والشعارات؟
السلام بالنسبة لي ليس لقبًا أعلقه على اسمي.
السلام أن يشعر الإنسان بالأمان والكرامة، وأن يحترم القوي الضعيف، وأن يساعد القادر من يحتاج إليه، وأن نختلف دون أن نكره بعضنا.
وأنا أؤمن بأن السلام يبدأ من داخل الإنسان، ثم ينتقل إلى الأسرة والمجتمع والوطن.
إذا لم نتعلم الرحمة والاحترام، فلن تنفعنا كل الشعارات.
📌 حصلتِ على العديد من الجوائز والدروع والشهادات؛ بعد كل هذه التكريمات، ما التكريم الذي ما زلتِ تنتظرينه فعلًا: جائزة جديدة أم اعتراف الناس بما قدمتِه؟
بصراحة، لا أبحث اليوم عن جائزة جديدة بقدر ما أبحث عن الاعتراف الحقيقي.
أجمل تكريم بالنسبة لي أن أعرف أن عملي وصل إلى إنسان، وأن قصيدة أثرت في قلب شخص، أو أن مقالة ساعدت في إيصال صوت إنسان مهمش.
وأتمنى أن يأتي يوم لا يكون فيه المبدع مضطراً إلى طرق الأبواب كثيرًا حتى يُسمع صوته.
التكريم الحقيقي ليس الدرع الذي يوضع على الرف، وإنما الأثر الذي يبقى في الناس.
📌 بعد كل ما حققتِه، ما الحلم الذي ما زال عصيًا على أيسر البياتي وتقولين: لم أصل إليه بعد؟
ما زالت لدي أحلام كثيرة.
أتمنى أن يكون لي مشروع ثقافي وإنساني كبير يجمع الفن والإعلام والشعر، ويمنح مساحة حقيقية للمواهب، خصوصًا أصحاب الهمم والشباب والنساء.
وأحلم أيضًا بأن أرى بيئة ثقافية أكثر عدلا، لا يكون فيها النجاح مرتبطًا بالعلاقات أو المجاملات، وإنما بالموهبة والعمل.
وأقول دائمًا لنفسي:
«طالما أنني ما زلت أحلم، إذن ما زالت هناك أشياء جميلة تنتظرني».
📌 لو جلست أيسر اليوم أمام تلك الطفلة التي كانت ترى أقرانها يركضون بينما حالت ظروفها الصحية دون ذلك، ماذا ستقول لها؟
سأجلس بجانبها وأقول:
لا تبكي يا أيسر.
أعرف أنكِ تتألمين عندما ترين الأطفال يركضون وأنتِ لا تستطيعين أن تركضي معهم، وأعرف أنكِ تشعرين أحيانًا بأنكِ مختلفة.
لكن صدقيني... اختلافكِ لن يكون نهاية حياتكِ.
سيأتي يوم ستكتبين فيه، وترسمين، وتتحدثين، وتدافعين عن أشخاص لم يستطيعوا أن يوصلوا أصواتهم.
ستسقطين أحيانا، وستحزنين أحيانًا، وستتعبين كثيرًا... لكن لا تسمحي لأحد أن يقنعكِ بأنكِ أقل من أي إنسان.
أنتِ لستِ مطالبة بأن تكوني مثل الآخرين.
كوني أيسر.
وسأقول لها في النهاية:
«تلك الزاوية التي كنتِ تبكين فيها في درس الرياضة... ستصبح يومًا جزءًا من قصتكِ، وستنظرين إليها وتبتسمين؛ لأنكِ لم تخسري الحياة، لقد وجدتِ طريقًا آخر إليها».
نبذة عن أيسر عبد الوهاب البياتي
أيسر عبد الوهاب محمد البياتي، أديبة وشاعرة وفنانة تشكيلية وصحفية ومصممة ومدربة من كركوك. حصلت على شهادات دكتوراه فخرية في مجالات أدبية وإنسانية، وحملت صفة سفيرة للنوايا الحسنة والسلام بين الشعوب.
لها مؤلفات أدبية، منها «قصص واقعية» و«رحلة للمجد» و«ومضات حائرة في النسيان» و«قصص وعبر»، وشاركت في مهرجانات أدبية وثقافية داخل العراق وخارجه.
وفي الفن التشكيلي، أقامت عشرات المعارض الشخصية، وشاركت في فعاليات ومعارض محلية وعربية ودولية، وحصلت على عدد من الجوائز والتكريمات.
كما خاضت تجربة في الصحافة والإعلام، وعملت محررة في «الكاتب التركماني»، وقدمت عددًا من البرامج والحوارات، وتولت إدارة وكالة صوت العرب الإخبارية – فرع كركوك، إلى جانب نشاطها في التدريب والتصميم والعمل المجتمعي.
مسيرة متعددة المجالات، لكن خيطها الأوضح ربما يبقى ما قالته أيسر بنفسها:
«لا أريد من المجتمع شفقة... أريد احتراما وفرصة».



0 تعليقات