من أعلام الفن العراقي
إعداد: وكالة صدى الثقافية
حين يُكتب تاريخ الفن التشكيلي العراقي الحديث، تبرز أسماء أسهمت في صناعة ملامحه وترسيخ حضوره في المشهد الثقافي، ومن بين هذه الأسماء تبرز الفنانة نزيهة سليم، واحدة من رائدات الفن التشكيلي العراقي، التي لم تكن مجرد رسامة تنتمي إلى عائلة فنية شهيرة، بل صاحبة تجربة مستقلة جعلت من الإنسان العراقي، ولا سيما المرأة، محورًا أساسيًا في عالمها الفني.
ففي لوحاتها حضرت المرأة في البيت والسوق والعمل، وبين أفراد أسرتها وفي تفاصيل حياتها اليومية، لتتحول الريشة في يد نزيهة سليم إلى وسيلة لا ترسم الجمال فحسب، وإنما تحفظ جانبًا من الذاكرة الاجتماعية العراقية.
نشأة في بيت يتنفس الفن
وُلدت نزيهة سليم عام 1927 في إسطنبول لأبوين عراقيين، ونشأت في أسرة ارتبطت بالفن والثقافة. كان والدها مهتمًا بالرسم، كما برز عدد من أشقائها في مجالات الفن، وفي مقدمتهم الفنان العراقي الكبير جواد سليم.
غير أن نزيهة لم تكتفِ بالانتماء إلى تلك البيئة الفنية، بل اختارت أن تصنع تجربتها الخاصة، وأن يكون لها صوتها ولغتها في الحركة التشكيلية العراقية.
أكملت دراستها المدرسية في بغداد، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، حيث درست بين عامي 1944 و1947. وبفضل تفوقها، حصلت على بعثة لدراسة الفن في باريس، والتحقت بالمدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة، وتخرجت فيها عام 1951.
وخلال تجربتها الأوروبية درست فن الجداريات، كما اتسعت معارفها الفنية وتقنياتها، ثم انتقلت لاحقًا إلى ألمانيا الشرقية في زمالة تخصصت خلالها في رسوم الأطفال والمسرح، وتدربت على عدد من التقنيات الفنية.
عادت من أوروبا.. وبقي العراق في لوحتها
كان يمكن لتجربة الدراسة الأوروبية أن تدفعها إلى تقليد المدارس الغربية التي تعرفت إليها، لكن نزيهة عادت إلى العراق وهي تحمل أدوات فنية جديدة، فيما بقيت عينها متجهة نحو مجتمعها وبيئتها.
فالبيت العراقي، والمرأة، والأمومة، والأسواق، والملابس الشعبية، والعلاقات الأسرية، والريف والأهوار، كلها تحولت إلى موضوعات وجدت مكانها في لوحاتها.
وهنا تظهر خصوصية تجربتها؛ إذ لم تبحث دائمًا عن المشاهد الاستثنائية، بل اكتشفت الفن في تفاصيل الحياة التي قد تمر أمام الآخرين بصورة عادية.
المرأة بطلة اللوحة
لعل من أكثر السمات وضوحًا في تجربة نزيهة سليم حضور المرأة العراقية.
فالمرأة في أعمالها ليست مجرد عنصر جانبي أو صورة جمالية، وإنما هي بطلة المشهد: أم تحتضن طفلها، وجدّة، وامرأة عاملة، ونساء يجتمعن ويتحدثن ويمارسن تفاصيل حياتهن.
ومن خلال هذه المشاهد استطاعت أن تقدم صورة إنسانية واجتماعية للمرأة، بعيدًا عن التكلف، وأن تجعل من تفاصيل حياتها موضوعًا فنيًا جديرًا بالتأمل والتوثيق.
ولهذا يمكن النظر إلى عدد من لوحات نزيهة سليم باعتبارها وثائق بصرية تحفظ ملامح من المجتمع العراقي في زمنها.
فالملابس والوجوه والجلسات والبيوت والتقاليد والعلاقات الإنسانية ليست مجرد تفاصيل مرسومة، وإنما أجزاء من ذاكرة مجتمع كامل.
بغداد والأهوار والناس البسطاء
تكشف عناوين عدد من أعمال نزيهة سليم عن ارتباطها الوثيق بالمكان والإنسان العراقي، ومن أعمالها المعروفة «بغداديات»، و«شباك بنت الجلبي»، و«زوجة الشهيد»، و«الأهوار»، و«بائع البطيخ»، و«الجدة».
وتكشف هذه العناوين وحدها عن عالم فني شديد القرب من الحياة.
فقد وجدت نزيهة في المرأة والشارع والبيت والأهوار والإنسان البسيط مادة تستحق أن تدخل اللوحة وتبقى.
وهنا تكمن إحدى أجمل أفكار تجربتها الفنية؛ فالتاريخ ليس دائمًا حدثًا كبيرًا أو شخصية مشهورة، وإنما قد يكون مختبئًا في وجه امرأة، أو نافذة بيت بغدادي، أو بائع في السوق، أو جلسة عائلية عابرة.
وحين يلتقط الفنان هذه التفاصيل، فإنه يمنح اللحظة العابرة عمرًا أطول من زمنها.
رائدة في الحركة التشكيلية العراقية
لم تكن نزيهة سليم بعيدة عن التحولات الكبرى التي شهدتها الحركة الفنية العراقية في منتصف القرن العشرين، بل كانت عضوًا في جماعة بغداد للفن الحديث، التي سعت إلى بناء فن عراقي حديث يستفيد من التجارب العالمية من دون أن يقطع صلته بالبيئة والتراث والهوية المحلية.
كما ارتبطت بالمؤسسات والتجمعات الفنية العراقية، وأسهمت من خلال عملها الفني والتعليمي في ترسيخ حضور الفن التشكيلي في الحياة الثقافية.
ولم تكن تجربتها مقتصرة على الرسم وحده؛ فقد مثّل التعليم جانبًا مهمًا من مسيرتها، الأمر الذي جعل أثرها يمتد من اللوحة إلى أجيال أخرى من الفنانين والدارسين.
نزيهة سليم.. بعيدًا عن ظل شقيقها
يصعب أن يُذكر اسم نزيهة سليم من دون أن يحضر اسم شقيقها جواد سليم، أحد أشهر فناني العراق وصاحب «نصب الحرية».
لكن اختزال نزيهة في كونها شقيقة جواد يظلم تجربة فنية امتلكت شخصيتها ومسارها وموضوعاتها الخاصة.
فهي فنانة درست الفن أكاديميًا، وسافرت وتعلمت ودرّست وأنتجت، وأسهمت في الحركة الفنية العراقية، وامتلكت رؤيتها الخاصة للمرأة والمجتمع والحياة اليومية.
وإذا كان جواد سليم قد حفر اسمه في ذاكرة العراق من خلال أعمال أصبحت رموزًا وطنية، فإن نزيهة اختارت طريقًا آخر؛ اقتربت فيه من الإنسان وتفاصيل حياته الصغيرة، وجعلت من المرأة العراقية إحدى أهم بطلات لوحتها.
ولذلك فإن إعادة قراءة تجربتها اليوم تعني النظر إليها باسمها وإنجازها، لا بوصفها امتدادًا لشهرة عائلتها.
رحيل الفنانة وبقاء اللوحة
توفيت نزيهة سليم في بغداد في 15 شباط 2008، بعد مسيرة طويلة في الفن والتعليم، تاركة وراءها إرثًا يمثل جانبًا مهمًا من تاريخ الفن التشكيلي العراقي الحديث.
رحلت الفنانة، لكن النساء اللواتي رسمتهن لم يرحلن.
بقيت الأم، والجدة، والمرأة العاملة، وبقيت البيوت والأسواق والأهوار والوجوه العراقية في لوحات تحولت مع مرور الزمن إلى نوافذ نطل منها على مجتمع ومرحلة من تاريخ العراق.
وهنا تتجاوز اللوحة وظيفتها الجمالية لتصبح ذاكرة.
فعندما ننظر إلى أعمال نزيهة سليم، فإننا لا نشاهد ألوانًا وخطوطًا وأشكالًا فحسب، وإنما نشاهد جزءًا من العراق كما رأته امرأة عراقية بعين فنانة.
حين تحفظ الريشة التاريخ
تكمن أهمية نزيهة سليم في أنها أدركت، ربما من خلال تجربتها الفنية الطويلة، أن الإنسان البسيط يستحق أن يكون جزءًا من الفن والتاريخ.
فالمرأة التي تمارس حياتها اليومية قد لا يذكر اسمها كتاب، والبائع البسيط قد لا تسجل سيرته الصحف، والبيت القديم قد يختفي يومًا، لكن الفنان يستطيع أن يمنح كل هؤلاء مكانًا في الذاكرة.
وهذا ما فعلته نزيهة سليم.
لقد جعلت من الريشة شاهدًا على زمن، ومن تفاصيل الحياة اليومية مادة للفن، ومن المرأة العراقية بطلة تستحق أن تحتل مساحة واسعة من اللوحة.
وبعد عقود من إنجاز تلك الأعمال، ربما أصبحت قيمتها أكبر؛ لأنها لم تعد تحكي عن زمنها فقط، بل تساعد الأجيال الجديدة على رؤية جانب من العراق الذي عاشته الفنانة وسجلته بألوانها.
نزيهة سليم لم ترسم المرأة العراقية فحسب... بل حفظت شيئًا من حكايتها.
فالتاريخ لا تحفظه الكتب وحدها؛ أحيانًا تحفظه لوحة.
المصادر:
مجموعة الإبراهيمي الفنية.
مجموعة دبي الفنية.
مراجع وأرشيفات الفن العراقي الحديث.

0 تعليقات